محمد غازي عرابي

1066

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

[ سورة الحديد ( 57 ) : آية 9 ] هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 9 ) [ الحديد : 9 ] الآيات المعقولات الشريفات المستخلصات بتجريد المحسوسات أولا ، فهاهنا بداية سميت الحدس وتعريفه إدراك الحقيقة إدراكا مباشرا من غير إعمال الفكر ، ولهذا عرفت الفلاسفة القدامى الحدس بأنه قبول إلهام العقل الفعال ، ثم بالإلهام للأولياء ثانيا ، ثم بالوحي للأنبياء ثالثا ، فمن بداية الطريق إلى منتهاها ليس ثمت إلا اللّه العالم والعليم والعلام ، وهذه المعقولات هي التي أخرجت بني آدم من ظلمات الجهل إلى نور العلم ، وليتصور الإنسان أن يحيا في هذ الدنيا دون أن تكون له هذه الكواعب الأبكار والحور العين اللواتي يقلبن جحيم الدنيا جنة ونعيما ، ويجعلن نار التضاد بردا وسلاما على قلبه ، فالمؤمن مثلا قرير العين بما أوتي من هبات المعقولات الشريفة ، والكافر أيضا يعتمد المعقولات المستخلصة من المحسوسات لرفع قواعد وجوده عليها ، ومتى رفع الكافرون شعارات غير الشعارات المقبولة عند الناس والمتعارف عليها مثل العدل والخير والعطاء والجمال ؟ يمينا لولا المعقولات لعاش الإنسان في جحيم أين منها جحيم الآخرة ، وكم من قائل إن للحياة شريعة الغاب ، ونسي هؤلاء أو تناسوا وجود أخيار بررة كرام سفرة يغيثون المستغيثين ، وينصرون المستضعفين ، وينتصرون للحق على الباطل ، ويضحون بأموالهم وأنفسهم في سبيل الآخرين ، ويكونون للناس مصابيح هدى ومرافئ تؤوي إليها المراكب والسفن من العواصف والأعاصير . [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 10 ] وَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 10 ) [ الحديد : 10 ] الحديث عن العلم الذي يجب على الإنسان أن يقدم زكاته إلى الآخرين ويذكر الحق بأن للّه ميراث هذا العلم ، ما دام هو المعلم الوهاب أصلا ، فالممسك ممسك ما أعطاه اللّه من العلم ، ولولا اللّه ما تعلم الإنسان ولبقي حيوانا في غاب الجهالة ، يحيا مثل بقية الحيوانات ، ولكنه سبحانه خلق الإنسان ، علمه البيان ، ورفعه فوق الملائكة درجات لعلمه ، والمنفق في سبيل اللّه قبل الفتح ليس كالمنفق بعده ، والفتح علم اليقين ، فالمنفق قبل الفتح مجاهد في سبيل اللّه ينتظر رحمته ويرجو ثوابه ، ويأمل في الدخول في الصالحين ، وأمثال هؤلاء مريد والصوفية ، أصحاب السلوك والمجاهدات الذين لا يضنون بشيء من أجل تحقيق الفوز والوصول .