محمد غازي عرابي
1065
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
[ الحديد : 4 ، 8 ] الأيام الستة أيام إلهية ، وسبق أن تحدثنا عن اليوم الإلهي الخارج عن نطاق الزمان العادي ، والذي هو أصل هذا الزمان ، ومنه كان ، فالستة عدد والعدد مضاعفات الواحد ، والواحد مرجعه إلى الأحد ، فاللّه خلق السماوات والأرض في يوم إلهي غير محدود بالزمن اليومي ، ويجوز القول من ثم إن اللّه خلق السماوات والأرض في يومين ، إذا كان اليوم الأول اليوم الإلهي ، واليوم الثاني اليوم الروحي المسمى في الفلسفة العقل الفعال ، والمسمى في الصوفية النور المحمدي ، كما يجوز القول إن اللّه خلق السماوات والأرض في ثلاثة أيام ، باعتبار اليوم الثالث اليوم النفسي ، المسمى في كتاب اللّه اللوح المحفوظ ، وفي الفلسفة النفس الكلية ، ويجوز القول إن اللّه خلق السماوات والأرض في أربعة أيام باعتبار اليوم الرابع بدء انتشار الأنوار الإلهية التي هي أصل الغبار السديمي الأول ، والتي كانت السبب في انفجار هذا السديم وتكثف الأجرام ، ويجوز القول : إن اللّه خلق السماوات والأرض في خمسة أيام ، باعتبار اليوم الخامس بدء ظهور الحياة في بعض الكواكب ، ومنها الأرض ، وتقول علماء الفضاء إن في الإمكان وجود حياة في الكواكب الأخرى ، وهم يبثون موجات لا سلكية في الفضاء ذات لغة إشارية ، فلعل سكان بعض الكواكب الحية يلتقطون هذه الموجات ، ويفهمون الإشارات ، ويرسلون الجوابات ، أما اليوم السادس الأخير الذي حدده اللّه في الآية فهو ظهور هذا العالم المعمور ظاهرا وباطنا ، ولقد أثبت إينشتاين أن زمننا المعروف هذا نسبي ، وأن زمن الفضاء مختلف تماما عن زماننا الذي نحسبه بحساباتنا الخاصة ، ونقيسه بأجهزتنا الخاصة ، سبحانه هو مليك الزمان السرمدي الذي يمكن تسميته اللازمان ، والذي أشار إليه سبحانه في موضع آخر قائلا : تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [ المعارج : 4 ] ، وهو يقول في هذه الآيات : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ، وبالجمع بين الآيتين يتبين أن اللّه بعيد قريب ، بعيد لا بمعنى البعد المعروف ، بل بمعنى مباينة النور للمادة وبمعنى التنزيه المطلق ، وهو قريب لأنه هو أصل المادة وقوامها ، ولهذا قال سبحانه في موضع آخر : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] ، فيا أيها الباحث عن اللّه ، إبحث عنه في نفسك تجده ، وهو القائل : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 21 ) [ الذّاريات : 21 ] .