محمد غازي عرابي

1061

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

قصور الأماني ليست في حقيقتها إلا سرابا بأرض بلقع يحسبه الإنسان ماء ، فإذا جاءه لم يجد شيئا ، وترى هم الناس محصورا في تحقيق الأرب ، ومع هذا فمنذا الذي رضي بما بلغه وحققه ؟ فالأغنياء بحرصهم على المال هم أشد فقرا من الفقراء ما داموا إلى المال فقراء أبدا ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( لو أعطي ابن آدم وأدين من ذهب لسأل إليهما واديا ثالثا ) ، ولقد فطر الإنسان على التطلع إلى ما لا تطاله يداه ، وإلى الزهد في ما تملكه يداه ، فهو أيضا بين نارين ، نار تحقيق الأرب ، ونار التطلع إلى ما لم يحققه بعد ، ويعتاد الإنسان حياته ، ويستوي في هذا أصحاب الدور وأصحاب القصور ، وليس ثمة على الحقيقة من فارق في المشاعر بين سكان الخيام وسكان القصور ، والإنسان عبد بيئته وطبقته وأهله وجيرانه ، وقال سبحانه : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً [ الحديد : 20 ] . [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 57 إلى 81 ] نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ ( 57 ) أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ( 58 ) أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ( 59 ) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 60 ) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ ( 61 ) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ ( 62 ) أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ( 63 ) أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ( 64 ) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ( 65 ) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ( 66 ) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ( 67 ) أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ( 68 ) أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ( 69 ) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ ( 70 ) أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ( 71 ) أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ ( 72 ) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ ( 73 ) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ( 74 ) فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ( 75 ) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ( 76 ) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ( 77 ) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ( 78 ) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ( 79 ) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 80 ) أَ فَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ ( 81 ) [ الواقعة : 57 ، 81 ] بحثنا سابقا قضية الخلق ، فالإنسان مخلوق ، ولا يماري في هذه الحقيقة كافران اثنان ، فما دام الإنسان قد وعى أنه موجود ، وأن له هذا الجسد ، وله هذه النفس ، وله ميوله وطبعه وقصده فهو بهذا مدرك أنه لا يدان له في ما أوتي من نفس وجسد وميول وطبع ، وتذكر الآيات بمن خلق السماوات والأرض ، والماء الذي يكون منه التناسل ، والماء الذي يشربه الإنسان ، والشجر الأخضر ، وهذه كلها في نظر الكافرين من نتاج طبيعة يجهلون كيف وجدت ، وكيف أوجدت قوانينها ، وكيف أوجدت هذه الأرزاق المتنوعة من ماء ونبات وحيوان ، ومثل الكافرين في هذا كمثل من عثر على كنز في باطن الأرض ، فهو يعمل على استخراجه ، وينتفع به ، دون أن يتفكر في حقيقة هذا الكنز كيف تكون في الأرض ، ولماذا كان كنزا ، وهم يردون