محمد غازي عرابي

1047

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

وربطوا بين الطاقة والمادة ، فجعلوا المادة طاقة ، وجعلوا الطاقة مادة ، وقلنا إن بعضهم قال إن بنية العالم الأساسية عقلية ، وقال آخرون إن الموجات الكهربائية نفسها لا وجود لها حسيا ، وإنها عرفت بمواصفاتها ، وبما دلت عليه الأجهزة القياسية ، أما جوهرها وهي التي لها مالها من دلائل حسية فلقد ظل مجهولا لم يعرف بعد . [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 15 إلى 16 ] وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ ( 15 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 16 ) [ الرحمن : 15 ، 16 ] الجان إبليس وخلق من لهب خالص من الدخان ، وقلنا إن الجن ما استتر فالجن الخفاء ، فإبليس الخفي مما هو ظاهر ، ولما كان للإنسان قرينه من الجن كان الجن ما خفي من الإنسان ، وما خفي منه هو عقله أي فكره ، سأل رجل صوفيا : إذا كان اللّه موجودا فلماذا لا نراه ؟ فقال : والعقل موجود أيضا فهل تراه ؟ وعبثا حاولت العلماء كشف ماهية التفكير وآليته وسببه ، وحاروا في ما إذا كان ناجما عن نشاط الدماغ نفسه ، أو أن له ماهية أخرى تستعين بالدماغ نفسه لتنتج التفكير . والآية ترجع إبليس إلى الدخان ، والدخان أصل من أصول الوجود المطلق وقاعدة من قواعده ، كما قال سبحانه : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ [ فصلت : 11 ] ، فالجان الفكر - باطن الإنسان - وقد اتجه اتجاها يخالف القصد أحيانا تحقيقا للقصد نفسه ، وسبق أن تحدثنا عن دور النقيض في إظهار الأصل وعن معادلة الموضوع ونقيض الموضوع في إظهار النتيجة ، وهي تركيب جديد كما يقول فشته وشيلنج ، أو خروج الصفة كما قال هيغل ، فأنت ترى الحكمة من خلق إبليس صاحب التناقض ، قال ابن عربى : إبليس مجبور في الإغواء ، وقال : ما عصى اللّه أحد ، ولا أطاعه أحد ، بل الأمر كله للّه ، وهو قوله وإليه يرجع الأمر كله ، فأفعال العباد خلق للّه ، والعبد محل لذلك الخلق ، وذكر أن إبليس اجتمع إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا محمد ، إن اللّه خلقك للهداية ، وليس لك من الأمر شيء ، وخلقني للغواية وليس لي من الأمر شيء ، فصدقه فصدقه ، فلو لا الديالكيتك الفكري ما كان الفكر فكرا وو لما تطور ، هكذا تقول الفلاسفة الموحدون الألمان ، فإبليس لا يمكن رفعه من الوجود ، ولهذا ورد في موضع آخر من القرآن تبرؤه مما هو فيه والعودة إلى ربه أصله . [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 17 إلى 18 ] رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ( 17 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 18 ) [ الرحمن : 17 ، 18 ] للإنسان العادي مشرق ومغرب ، ومشرقه الدور الذي يلعبه الروح في مغربه وهو كيانه ، ولقد فصلنا الكلام في آلية التفكير في كتابينا الإنسان الكامل والإنسان الكبير ، مبينين أن العملية ذاتها فعل إلهي محض وأن الإنسان ليس إلا جسرا ومعبرا .