محمد غازي عرابي
1041
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
سورة القمر بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة القمر ( 54 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ( 1 ) [ القمر : 1 ] الساعة القيامة ، ولهذا قيل أشراط الساعة ، والساعة ساعتان ، قريبة للعارفين الذين تقوم قيامتهم بقيامهم من نوم أهل الكهف ، وبعيدة وهي ساعتان أيضا ، والأولى عندما يحضر الإنسان الموت فتكشف له حقيقته فيعلمها ، ويعلم من هو ، وأين هو ، وإلى أين يصير ، والثانية هي قيام القيامة الوجودية الكبرى ، وذلك بانفجار الأجرام كبيرها وصغيرها ، سماويها وأرضيها ، إنسانها وحيوانها ونباتها ، وعودتها سديما ذريا عائما كما كان ، ووصف صلّى اللّه عليه وسلّم هذا الحال بالعماء . وانشقاق القمر متعلق بقيام الساعة ، وبدؤه انشقاق قمر العارفين ، أي قلبهم ، كاشفا السر العظيم ، ولهذا كان القمر حجابا إذا لم ينشق ، ولهذا أخذ النبي بيد عائشة ، وأشار إلى القمر قائلا : إستعيذي باللّه من شر هذا ، فهو الغاسق إذا وقب . وما قصد الرسول قمر السماء ، فالقمر جرم من أجرام الفضاء ، ولكنه عني قمر الإنسان ، أي قلبه الذي هو غاسق وقب إن لم ينشق ويكشف عن وجود شمس الذات فيه . [ سورة القمر ( 54 ) : آية 2 ] وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ( 2 ) [ القمر : 2 ] تشير الآية إلى ما يعرض على الإنسان من صور إلهية وأفكار فلا يتنبه ولا يتعظ ، ويظن أنها من قمر قلبه ومن معين خياله وتحصيل فكره ، ولهذا ألح سبحانه على ضرورة معرفة النفس قائلا : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ . [ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 3 إلى 4 ] وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ( 3 ) وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ ( 4 ) [ القمر : 3 ، 4 ] في القلب كل أمر مستقر ، ولهذا أودعت القلوب الأمور المستقرة أزلا من خير وشر ، ولهذا يمم أصحاب الميمنة شطر النور لطفا من اللّه ورحمة وعناية وتسديدا وتوفيقا ، ويمم أصحاب المشأمة وجوههم شطر النار قدرا وحكما . [ سورة القمر ( 54 ) : آية 5 ] حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ ( 5 ) [ القمر : 5 ] ثمة حكمة بالغة وخفية بين النذر وحقيقة القلب ، فمن كان قلبه أسود لا يرى البياض ، وإن