محمد غازي عرابي
1039
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
وأدار أفلاك العوالم على أنفاسهم ، فهم محل نظر الحق من العالم ، بل هم محل اللّه من الوجود ، ولا أريد بلفظ المحل الحلول ولا التشبيه ولا الجهة ، بل أريد به أنهم محل ظهور الحق تعالى بإظهار آثار أسمائه وصفاته فيهم وعليهم ، فهم المخاطبون بأنواع الأسرار ، وهم المصطفون لما وراء الأستار ، جعل اللّه قواعد الدين ، بل قواعد جميع الأديان مبنية على أرض معارفهم ، فهي ملآنة ، من أنواع اللطائف لهم ، لا يعرفها إلا هم ، فكلامه سبحانه وتعالى عبارات لهم فيها إلى الحقائق إشارات ، ولأمره وتعبداته رموز ، لهم عندها من المعارف الإلهية كنوز ، ينقلهم الحق بمعرفة ما وصف لهم من مكانة إلى مكانة ، ومن حضرة إلى حضرة ، ومن علم إلى عيان ، ومن عيان إلى تحقيق إلى حيث لا أين ، فجميع الخلق لهم كالآلة حمال لتلك الأمانات التي جعلها اللّه ملكا لهذه الطائفة ، فهم يحملون الأمانة مجازا إليهم ، وهؤلاء يحملونها حقيقة للّه تعالى ، فهم محل المخاطبة من كلام اللّه تعالى ومورد الإشارات ومجلى البيان ، والباقون ملحقون بهم على سبيل المجاز ، فهم عباد اللّه الذين يشربون من صرف الكافور ، فعباد اللّه مع اللّه على الحقيقة ، والأبرار مع اللّه على المجاز ، والباقون مع اللّه على التبعية والحكم على الحقيقة ، فالكل مع اللّه كما ينبغي للّه ، والكل عباد اللّه ، والكل عباد الرحمن ، والكل عباد الرب أنشد ابن الفارض لما وصل مقام الجمع : وأشهدت غيبي إذ بدت فوجدتني * هنالك إياها بجلوة خلوتي وفي الصحو بعد المحو لم أك غيرها * وذاتي بذاتي إذ تحلت تجلت وما زلت إياها وإياي لم تزل * ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت وأنشد بلسان الجمع : ولولاي لم يوجد وجود ولم يكن * شهود ولم تعهد عهود بذمة فلا حي إلا عن حياتي حياته * وطوع مرادي كل نفس مريدة ولا قائل إلا بلفظي محدث * ولا ناظر إلا بناظر مقلتي ولا منصت إلا بسمعي سامع * ولا باطش إلا بأزلي وشدتي ولا ناطق غيري ولا ناظر ولا * سميع سوائي من جميع الخليقة وفي عالم التركيب في كل صورة * ظهرت بمعنى عنه بالحسن زينت وأنشد إبراهيم الدسوقي : تجلى لي المحبوب في كل صورة * فشاهدته في كل معنى وصورة وخاطبني مني بكشف سرائري * فقال أتدري من أنا قلت منيتي فأنت مناي بل أنا أنت كلما * تعينت الأشياء كنت كنسختي