محمد غازي عرابي

1035

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

الطقس ، حتى أن العلماء ليرصدون نشاط الشمس ، فإذا رأوا علاماته نبهوا مراكز الأرصاد ، وحذروا من التوتر المناخي والعواصف التي ستزداد ، وقد سجل التاريخ فترة جليدية اكتسحت شمال أوروبا حتى رسمت الفنانون لوحات صورت ما حدث على أثر هذا المد الجليدي وكيف انتشرت المجاعة وساد القحط حتى لم يعد الناس يجدون ما يأكلون . لقد هيأ الحق إذن الشروط الضرورية للحياة على كوكب الأرض بحيث اعتبر هذا الكوكب معجزة الحياة ، وما تزال العلماء تسبر أغوار هذا الكوكب ، وكيف حدثت الحياة فيه وتوفرت ، وكيف أنه لم تتوفر هذه الشروط الحياتية لأي كوكب آخر معروف حتى الآن . وفي الأرض كانت الحياة ، قال سبحانه : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ [ الحجر : 26 ] ، وجاء في الحديث القدسي : ( ما وسعتني السماوات والأرض والجبال ووسعني قلب عبدي المؤمن اللين ) ، فقلب الإنسان مستودع السر الإلهي ، والنشاط الذي مارسه النور المحمدي لما بدأ الانتشار والتعين ثم التكثف وممارسة الفعل ، لقد سكن هذا النور قلب الإنسان ، وبذر في كل قلب بذورا من الصفات الإلهية ، فكان قلب الإنسان مستودع الصفات ومراكز الأسماء ، ولقد تحدثنا عن الفلاسفة القائلين إن الإنسان يتركب من كلي وجزئي ، وإنه هو مجموع الكلي والجزئي ، فالنور المحمدي الكلي هو مركز كل جزئي ومصدر إلهامه وسبب نشاطه وفعله ، قال سبحانه في وصف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ( 107 ) [ الأنبياء : 107 ] ، والرحمة مع الوجود للممكن الوجود ، فنوره صلّى اللّه عليه وسلّم باطن العالم ، وهو المسمى الروح الكلي ، أما مظهره فلقد تعين في شخص النبي بالذات فكان صورة مشخصة عيانية ، ومعلوم أن هذا التمظهر له دورات وجودية ، وله أزمان وميقات معلوم ، ولهذا قالت الصوفية إن النور المحمدي هو حقيقة كل نبي ، وإنه واحد ظهر بهؤلاء الأنبياء . فالنور يظهر في كل مظهر بصفة ، حتى إذا أتم الزمان الوجودي دورة من دوراته ظهر النور في شخص ما يكون جامعا للصفات وجامعا للأسماء فهو الذي أتم ظهوره في ذلك الشخص الذي يكون نبيا ، ويكون وليا ، ويكون قطبا محققا ، وقد يظهر درجات في كل الأعلام من العارفين والعلماء والفلاسفة والأدباء والقادة المصلحين ، فللنور المحمدي الخلق والأمر بإذن اللّه . والنور يطبع قلب الإنسان بصفة ما ، ويمارس نشاطه في القلب عن طريق تلك الصفة ، ولهذا انتشرت الناس ، وتفرقوا أصحاب يمين وأصحاب شمال ، وكل له داخرون ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( شعبان اسمي ) ، وشعب يعني فرق ويعني جمع ، فله النقيضان . أما الظهور الكلي فلقد ظهر في آدم عليه السّلام ، ثم في كل من الأنبياء ، ثم ظهر قمرا ليلة بدر التمام في شخص محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فكان خاتم دورة الزمان وخاتم الأنبياء ، وكان الإسلام خاتم