محمد غازي عرابي
663
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
المربوبون للواحد القهار ، ولهذا وصف الوجود بالعرش ، والعرش كرسي ، والملك على عرشه جالس ، والجلوس استواء ، ولهذا قال سبحانه في موضع آخر : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [ الأعراف : 54 ] ، والتوحيد يشمل التنزيه ويشمل التشبيه ، ثم ينتهي إلى التوحيد الصرف فلا تنزيه ولا تشبيه بل هو واحد أحد فعال لما يريد ، ما تحرك متحرك إلا بأمره ، بل ليس المتحرك سوى هو وقد أخذ نوره في الانتشار في الأبعاد من قبل أن تكون الأبعاد ، ثم كونه هو هذه الأبعاد . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 88 إلى 90 ] قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 88 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ( 89 ) بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 90 ) [ المؤمنون : 88 ، 90 ] قوله سبحانه : وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ يعني قيام الممكن بالواجب الوجود قياما وجوديا نورانيا أصليا لا بديل له ، وكل بديل يأخذ طابع المصادفة أو الفوضى أو اللامعقول ، وليس ثمت بديل ثالث ، فإما الإيمان باللّه كمبدأ وهوية وجوهر وأول لكل شيء أو السقوط في هوة العدم . والمشكلة منطقيا تنتهي إلى الإقرار بوجود الجوهر الفرد الأول الجامع لجميع الجواهر والأعراض ، وهذا الموقف الذي اتخذته الفلاسفة والحكماء القدامى عندما أمعنوا الفكر في هذا العالم ظاهره وباطنه . أما المحدثون فكثير منهم لم يؤمنوا بهذا الواحد ، ولهذا قال كانط إن العقل قادر على إثبات وجود اللّه وقادر على نفيه أيضا ، وحذر كانط من اتخاذ العقل مبدأ للنظر في الغيبيات ، وقال إن الطريق الأخلاقي وحده يقود إلى معرفة الشيء في ذاته ، وهذا ما نادت به الآية التي أطلقت شعار يجير ولا يجار عليه فلسفيا وأخلاقيا . والحقيقة أن لا فصل بين الفكر والأخلاق إن أراد الإنسان الوصول إلى اللّه ، ولهذا قال ابن عربي : العلم وسوء الخلق لا يجتمعان في موقف ، فكل عالم هو واسع المغفرة والرحمة . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 91 إلى 95 ] مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 91 ) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 92 ) قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ ( 93 ) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 94 ) وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ ( 95 ) [ المؤمنون : 91 ، 95 ] كل الإمكانات قائمة باللّه ، ولهذا لا يمكن أن يقوم ممكن مكان اللّه الذي هو أصل له ،