محمد غازي عرابي
1030
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
والعارفين ، فالكشف الشهادة ، ويقول عبد الكريم الجيلي في الشهادة : شهد الحق بعين اليقين في سائر مخلوقاته ، فإذا رأى مثلا شيئا من المخلوق فإنه يشهد الحق تعالى في ذلك الشيء من غير حلول ، ولا اتصال ، ولا انفصال ، بل بما أخبر به سبحانه بقوله : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] ، فإذا صح للعبد هذا المشهد فهو مشاهد للّه تعالى ، وهذا أعلى مناظر الشهادة ، ويقول في يوم الدين : العارف إذا فني في اللّه الفناء الثالث ، وانمحت أنيته ، وانسحق ، فقد قامت قيامته الصغرى ، فذلك مآله يوم الدين الذي هو يوم القيامة ، وقال ابن عربي : ما من عارف من حيث التجلي الإلهي إلا وهو على النشأة الآخرة ، قد حشر في دنياه ، ونشر في قبره ، فهو يرى ما لا يرون ، ويشهد ما لا يشهدون عناية من اللّه ببعض عباده في ذلك . فالقيامة ، وقد قلنا إنها صغرى وكبرى ، تقوم يوم يقوم العارف من بين الموتى ليرى الحقيقة الكبرى . . . ففريق من الناس وهم الكثرة الكاثرة ، يدعون إلى نار جهنم دعا ، أي يدفعون نحوها بقوة ، وذلك من قبل الدواعي الشيطانية وهيجان الشهوات وثوران الغضب ودعوى الأنانية ، فإذا المبعد في النار محجوب ، ولهذا قيل في الآية الخامسة عشرة أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ( 15 ) ، ولا بديل للإقامة في نار البعد ، لأنه لا بديل للعالم الحسي إلا عالم الروح ، وما دام الإنسان لم يتجاوز سور العالم الحسي ليصل إلى عالم الروح فهو خالد في النار مخلد في العذاب . [ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 17 إلى 19 ] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ( 17 ) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ( 18 ) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 19 ) [ الطور : 17 ، 19 ] المؤمنون ، وهم ثلة من الأولين ، وقليل من الآخرين ، قد دخل الإيمان في قلوبهم ، ثم صاروا محسنين حين أتاهم اليقين ، فكشف عنهم الحجاب فرأوا اللّه ظاهرا في الظاهرات ، ورأوا المعقولات ظاهرة في العيانات ، وما رأوا شيئا رأوا اللّه قبله كما قال الصديق الأكبر ، ومعه كما ذكر سبحانه أنه مع الإنسان أينما كان ، ثم رأوا اللّه هو العالم كلا وأجزاء ووحدة وتكثرا ، وكما قال ابن عربي : هناك مقام من يقول ما رأيت إلا اللّه ، فإن قيل له فمن الرائي ، قال هو ، فإن قيل له فمن السائل ، قال هو ، فإن قيل له فكيف الأمر ، قال نسب تظهر فيه منه له فما ثم إلا هو ، وهو عين ثم ، وهذا هو مشهد أبي يزيد البسطامي . [ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 20 إلى 49 ] مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ( 20 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ( 21 ) وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ( 22 ) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ ( 23 ) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ( 24 ) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ( 25 ) قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ ( 26 ) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ ( 27 ) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ( 28 ) فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ ( 29 ) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ( 30 ) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ ( 31 ) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ( 32 ) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ ( 33 ) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ ( 34 ) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ ( 35 ) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ ( 36 ) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ( 37 ) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 38 ) أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ( 39 ) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ( 40 ) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ( 41 ) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ ( 42 ) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 43 ) وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ ( 44 ) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ( 45 ) يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 46 ) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 47 ) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ( 48 ) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ ( 49 )