محمد غازي عرابي
1022
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
إن الفيلسوف لا دين له يدل على أن كل ما عنده باطل ، وقال أيضا : الفلسفة معناها حب الحكمة ، وكل عاقل يحب الحكمة ، غير أن أهل الفكر خطؤهم في الإلهيات أكثر من إصابتهم ، والعارفون باللّه وحدهم هم أهل اليقين ، هم في جنات النعيم من العلوم ، ينهلون من عيون العلم الإلهي قائمين وقاعدين وعلى جنوبهم ، لياليهم كلها ليلة القدر يتنزل فيها القرآن العظيم على قلوبهم فيعلمهم ما لم يكونوا يعلمون ، ويزيدهم علما إلى علومهم ، فهم في رياض العلم يحبرون . والإحسان الطريق إلى يوم الدين وإلى جنات النعيم ، فبالإحسان الإلهي وصل الإنسان العالم العلوي واطلع كنه حقيقة الملكوت ، فمن يطاول هذه الذرى ؟ ومن يسامق هذه الأشجار الباسقات ؟ ومن يكون أهلا للوقوف مع هؤلاء البررة الواقفين على جبل عرفة وقد تحققوا الأمر من قبل ومن بعد ، ومن تحت ومن فوق ، فهم على الأعراف رجال اللّه ، وكم للّه من رجال . [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 17 إلى 23 ] كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ( 17 ) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( 18 ) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ( 19 ) وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ ( 20 ) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 21 ) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ( 22 ) فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ( 23 ) [ الذاريات : 17 ، 23 ] ربطت الآيات بين قيام الليل والاستغفار بالأسحار وبين الآيات الكائنة في النفس ، ويقول برجسون : كلما ازداد انشغالنا بالحياة قل ميلنا إلى النظر والتأمل ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( ساعة تفكر خير من سنة عبادة ) ، فالمهم عدم غرق الفلك في بحر الحياة العاصف ، والإسلام بخاصة دين يحقق التوازن بين مطالب الروح ومطالب الحياة ، فالمسلم الحقيقي فارس الدنيا والآخرة . وتتحدث الآيات عن المحسنين الذين بلغوا اليقين ، وتصف الطريق إلى اليقين ، وتشبه الآيات بما جاء في سورة المزمل التي أمرت النبي والمؤمنين بأن يقوموا الليل إلا قليلا ، فاللّه جعل الليل للعبادة الحقة وللتفكير في الخلق والنفس . والتشديد على أداء الفرائض والنوافل غايته وضع العبد بين قوسي العبودية بحيث يتمكن من ثم من الدخول في بوابة الغيب الضيقة الواسعة ، فعندما يفرغ المؤمن قلبه من هموم الدنيا يصبح القلب عبدا حقا لصوت الضمير الذي يحثه على الركوع والسجود والاستغفار في الأسحار . . ثم تطلق الإشارة ، فإذا صوت الضمير الواحد واحد في الاثنين العدد الذي قال فيه أفلوطين : الواحد الذي صار اثنين ، فالواحد على حاله ، أي الواحد الذي قبل الاثنين ، والواحد في الاثنين كلاهما أحدان ، والأحدان كلاهما في الاثنين سواء ، فما دام الحق ملهم النفس فجورها وتقواها فالمهم وضع اليد على هذه العين الجامعة للتضاد ، والتي يسميها ابن