محمد غازي عرابي
1021
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
سورة الذاريات بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 1 إلى 16 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالذَّارِياتِ ذَرْواً ( 1 ) فَالْحامِلاتِ وِقْراً ( 2 ) فَالْجارِياتِ يُسْراً ( 3 ) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً ( 4 ) إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ ( 5 ) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ ( 6 ) وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ ( 7 ) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ( 8 ) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ( 9 ) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ( 10 ) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ ( 11 ) يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ ( 12 ) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ( 13 ) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ( 14 ) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 15 ) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ ( 16 ) [ الذاريات : 1 ، 16 ] الذاريات إشارة إلى بدء التحريك الذاتي ، فالذاريات الرياح الإلهية التي تفعل عن طريق الروح الكلي أول صدور عن اللّه ، والرياح تحمل السحاب ، والسحاب يحمل الماء ، والإشارة إلى الأسماء المحمولة الحاملة ، فهي محمولة على أجنحة الروح ، وهي حاملة أثقالها من المعقولات الصفات والجاريات السفن العائمة في بحر الوجود العياني ، فهاهنا بدأت المعقولات تحمل في بحر الهيولى ، وهي في الوقت نفسه تحمل لعالم الهيولى ما لديها من صور ، والمقسمات أمرا السفن المعقولات التي هي كثيرة ، وعددها لا نهائي لأن اللّه مجريها لا نهائي أيضا ، فالمقسمات إشارة إلى الملائكة المعقولات وقد انطلقت أشعة من الروح لتقسم الوجود العياني إلى رمز المعقولات المتعينة . والسماء ذات الحبك طرق السماء حاملة المعقولات ، فلكل معقول طريق ، ولكل صفة تعين ، فالمعقول يطلب المحسوس حثيثا ، وكل معقول ميسر لطلب ما يظهر به ، فالسماء طرق لا نهائية ، وأمام هذا النظر العلوي الجامع الأخاذ يقف الصوفي المكاشف ، وقد رأى غيب الغيوب ظاهرا في هذه الجيوب من الصور كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( إن في الجنة سوقا ما فيها بيع ولا شراء إلا الصور من الرجال والنساء ) . والناس في قول مختلف يؤفك عنه من أفك ، أي أن من هدي الصراط المستقيم فلقد كشف اللّه عنه غطاءه فبصره حديد ، وهو قد بلغ اليقين ، وجاءه الفتح المبين ، فعلم يوم الدين ، وما أدراك ما يوم الدين ، يوم يكون الناس فيه مجموعين في القبضة ، فقبضته مهدية وقبضة من الضالين المحجوبين التائهين في صحراء العيان ، لا يعلمون من أين وإلى ، ولقد جاهدت الفلاسفة قدامي ومحدثون لكشف النقاب عن حقيقة الوجود ، فمنهم من عرف ، ومنهم من علم ، ومنهم من تصور وظن ، وقال ابن عربى : الفيلسوف ليس كل علمه باطلا ، وليس القول