محمد غازي عرابي

1012

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

بشقيه الظاهر والباطن فحسب . وزينة السماء مصابيح ، والمصابيح أسماء ، ولكل إنسان مصباح يحفظه ، والمصباح يوقد من شجرة زيتونة لا شرقية ولا غريبة يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ، فليس تحت السماء إلا بشر يحملون السماء على رؤوسهم ، لا بل وفي رؤوسهم ، وهم بها أيضا محمولون . وقوله : وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ يعني شقوق ، والشقوق عيوب لا يمكن أن توجد في هذا النظام الكوني الحاكم من فوق إلى تحت ، ومن تحت إلى فوق ، ثم هو في الحقيقة حاكم بلا فوق ولا تحت ، وليس ثمت إلا الواحد القهار . وإذا رجعنا إلى كوجيتو ديكارت كان الإنسان حيوانا يفكر ، ولما كان فكره نتيجة نشاط روحي فيه ، كانت النتيجة أن الإنسان عبد فكره ، ولهذا أصاب ديكارت المفصل لما أطلق سهما ما أطلقه رام عن قوس ، دون أن يعلم مدى وأهمية ما فعل ، قال لا مارتين : إنني لا أفكر على الإطلاق ، وإنما أفكاري هي التي تفكر لي . فالإنسان مخلوق إلهي يفكر للّه ، واللّه به يفكر ، أي يفتق مضامين المعقولات بالإنسان وفيه ومن خلاله ، ولهذا كان الإنسان عبدا للّه ، مؤمنا كان أو كافرا ، مطيعا أو عاصيا ، وهذه مسألة من أصول الدين اعتمدتها أساتذة الصوفية وافترعت منها الفروع ، قال جلال الدين الرومي : المؤمن والكافر كلاهما ينطق باسم اللّه ، ولكن شقة واسعة تفصل بينهما . وقال أيضا : أيها المتعشق لعقله إعلم أن نور حسك قبس مستعار من نور العقل الكلي ، إنه ذهب أشرق فوق نحاسك . [ سورة ق ( 50 ) : آية 7 ] وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ( 7 ) [ ق : 7 ] لولا الأرض ما كانت السماء سماء ولا سميت سماء ، فالمعقول بحاجة إلى ما يظهر به ، وما دام المعقول برزخا بين المادة والنور فهو بحاجة إلى نور أول يقوم به ، وإلى مادة يظهر بها ، فالمعقول محمول ثان مثل الإنسان يحمل الإنسان ، ويحمله الإنسان سواء بسواء . [ سورة ق ( 50 ) : الآيات 8 إلى 14 ] تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ( 8 ) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ( 9 ) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ ( 10 ) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ ( 11 ) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ ( 12 ) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ ( 13 ) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ( 14 ) [ ق : 8 ، 14 ] خص سبحانه العبد فقط بالتبصرة التي هي تبصير من اللّه ، وربط الآية بالآية السابقة التي ختمت بالقول : وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ، والأرواح المعقولات الثابتات الكليات ،