محمد غازي عرابي
1011
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
سورة ق بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة ق ( 50 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ( 1 ) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ ( 2 ) أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ( 3 ) [ ق : 3 ، 1 ] قرن حرف القاف بالقرآن ، والقاف القوة التي أخرجت القرآن العلمي إلى القرآن العياني ، فليس في الوجود من مطلق ومتعين إلّا القرآن الذي هو اللوح المحفوظ ، ولهذا وصف في الآية بأنه مجيد . [ سورة ق ( 50 ) : الآيات 4 إلى 5 ] قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ ( 4 ) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ( 5 ) [ ق : 5 ، 4 ] تنقص الأرض من الإنسان جسده ، ولا تطال الأرض النفس ، والنفس هي مستودع الجسم ، لا الجسم هو مستودع النفس ، فالنفس أكبر وأعم ، وهذا ما قاله أرسطو ، فالنفس خالدة ، لأن أصلها الجوهر اللطيف الذي هو أصل الزماكان ، فالزمان والمكان نتيجة لنشاط هذا الجوهر . [ سورة ق ( 50 ) : آية 6 ] أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ ( 6 ) [ ق : 6 ] يذكر الحق بالسماء ، وقلنا السماء موضع المعقولات ، وقلنا إن في السماوات السبع ما يكون في رأس الإنسان من قوى السماوات كالفكر والخيال والحدس والذاكرة ومراكز الحواس . فهذه كلها مراكز إلهية اتخذت من الدماغ البشري محلا لممارسة قواها ، وآلة للتسيير والتنفيذ ، ويقف العلم الحديث حائرا أمام الدماغ الذي لم يستطع أن يكشف سر نشاطه ، ولا كيف يفكر ، وهل الدماغ هو الذي يفكر ، أم أن شيئا آخر خفيا يفكر به وفيه ؟ فالمسألة التي أثارها ديكارت بقوله : أنا أفكر إذن أنا موجود ، كانت أبعد مرمى أطلقها الفكر حين اعتمد الفكر أساسا للوجود . والحقيقة أن سماء الفكر هي الحاكمة في الدماغ ، والدماغ سيارة لا بد لها من سائق ، ولا بد للسائق من سيارة تحمله وهو يقودها ، فهو القائد وهي الحامل ، وبين القائد والحامل يبرز الإنسان كظاهرة وعي تعي هذا النشاط ، ولهذا شبهنا الإنسان براكب في سيارة يظن أن له القدرة والحرية والفعل ، وهو على الحقيقة ماله من الأمر من شيء إلا وعي حركة الوجود