محمد غازي عرابي
1010
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
وسلم يصعد عليه لتحقيق المآرب والآمال ، هكذا يرى الغني المال ، وكذلك تراه الغالبية العظمى من الفقراء ، وليس مصادفة أن يجعل اللّه غالبية أنبيائه ورسله فقراء ، وداود الذي اغتنى خاف أن يحجبه الخير عن ربه ، فطفق مسحا بالسوق والأعناق ، أي جعل يضرب أعناق جياده التي جعلته يغفل عن ربه . [ سورة الحجرات ( 49 ) : الآيات 17 إلى 18 ] يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 17 ) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 18 ) [ الحجرات : 17 ، 18 ] عندما يرد الإنسان أسفل سافلين ، والقدوم إلى الوجود خطيئة كما تقول الفلاسفة والمسيحيون ، فإنه يلقي في جب الطبيعة لا يخرجه منه أحد ، والإنسان عبد بطنه وماله وفرجه ، فما له قدرة على الانفكاك من هذا الأسر ، ثم يمن اللّه على من يشاء فيهديه ، وتكون الهداية كلمات تخطها يد القدرة الإلهية في قلب الإنسان فيستيقظ ويعي ويهتدي إلى الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعم اللّه عليهم ، غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، وما خرج يوسف من غيابه الجب إلا بعناية سابقة من اللّه ، ولقد ألبسه جبريل قميصا من نور حماه وهو في جب الطبيعة ، حتى عادت ظلمات الجب أنوارا فسكن واطمأن . ثم أرسل اللّه وارد الهدى فأخرجه ، ثم السبيل يسره ، ثم أماته فأقبره لما حاولت زليخا النفس الأمارة أن تراوده عن نفسه ، ثم أنشره ربه لما رأى برهانه من نور الحفظ والوقاية ، ثم علمه القرآن والبيان لما بلغ مقام الإحسان ، فتعلم تأويل الأحاديث وتعبير المنام . فالطريق إلى اللّه ليست صاعدة من الإنسان إلى اللّه بل هابطة من اللّه إلى الإنسان ، فلقد قال سبحانه في يوسف إنه من عباده المحسنين ، وإنه من الصالحين ، علما أن يوسف كان فتى راهق البلوغ فقط ، بل إنه أراه في منامه أن الشمس والقمر والكواكب له ساجدون ، وهو بعد غلام حدث السن صغير . والآية تقول إن المسلمين الذين أسلموا من غير قتال يمنون على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إسلامهم الطوعي هذا ، فيرد الحق قائلا : إنه هو الذي يمن عليهم أن أسلموا ، وأن لولا المشيئة السابقة والقدرة اللاحقة لما أسلم أحد ممن أسلموا ، ولظلت الناس ضالين ، في ظلمات الشهوات سادرين ، ولبقي يوسف في غيابة جب الطبيعة حتى كان من الهالكين ، فما نجا من ناج إلا باللّه ، فلا يباهي أحد أحدا بإسلامه ، ولا يقولن أحد إني مؤمن ، لأن اللّه وحده علّام الغيوب ، يعلم متى يبلغ المسلم مقام الإيمان ، ومتى يبلغ المؤمن مقام الإحسان ، ألا يعلم من خلق ؟ بلى وهو اللطيف الخبير .