محمد غازي عرابي
1009
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
تشرح الآية القصد من الخلق ، والقصد التعارف ، والتعارف تعارف الأسماء ، فالإنسان يولد جاهلا الناس وصفاتهم ، بل هو جاهل نفسه وأبعادها وتناقضها ، فالإنسان خلق ليتعرف ، يتعرف الناس أولا ، ويتعرف نفسه ثانيا ، فإذا تم هذا تعرف اللّه وذلك بأن يتعرف ربه إليه ، ومن وصل هذا المقام كان عند اللّه كريما ، وكان من المتقين . [ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 14 ] قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 14 ) [ الحجرات : 14 ] الإسلام الدرجة الدنيا من سلم التسليم ، وفيه كثير من الحجب بين اللّه والإنسان ، وأكثفها حجاب الأنا ، ولهذا كان المسلم في بداية إسلامه عرضة لمشاهدة أناه وفعله ، والتباهي بفعله كما سبق أن قلنا ، فالمسلم بحاجة إلى توفيق وتسديد من ربه ، وإلى كثير من البلاء حتى ينجو مما هو فيه من شرك خفي . والإيمان الدرجة الثانية من سلم التسليم ، وفيه الخروج عن دعوى الفعل ، وتوحيد الفعل الخطوة الأولى على طريق اليقين كقوله سبحانه : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( 99 ) [ الحجر : 99 ] ، وتنبه الأشياخ المريدين بخاصة على أهمية توحيد الفعل لتهيئة المسلم لقبول نور اليقين الداخل من الشمال واليمين ، أي من جهة الأضداد . [ سورة الحجرات ( 49 ) : الآيات 15 إلى 16 ] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ( 15 ) قُلْ أَ تُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 16 ) [ الحجرات : 15 ، 16 ] تؤكد الآيتان ما قلناه في تفسير الآيات السابقة عن ضرورة الخروج على الأنا وفعلها ، وذلك بالجهاد بالأموال والأنفس ، ولقد قال سبحانه في موضع آخر : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [ التّوبة : 111 ] . وعقب البسطامي على الآية قائلا : المؤمن ، ويعني من تحقق مقام الإيمان ، بلا نفس لأن اللّه اشترى منه نفسه ، واللّه القائل في الإنسان : مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ [ ق : 25 ] ، أي لا يخرج عن ماله ، وقوله أيضا : وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا ( 20 ) [ الفجر : 20 ] ، وقوله : كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ( 7 ) . فالمال حجاب كثيف عن اللّه ، لأن قلب صاحب المال معلق بماله ، فهو به غني قوي ، وعليه اعتماده وتوكله ، ولهذا كان دخول الجمل في سم الخياط أسهل من دخول غني في ملكوت السماوات ، ووصف صلّى اللّه عليه وسلّم دخول عبد الرحمن بن عوف ، وكان غنيا ، بأنه يدخل الجنة حبوا ، علما أن عبد الرحمن بن عوف هو من هو ، ولكم شرى اللّه والإسلام ماله فالمال حجاب والغنى لا يرى اللّه إلا من كوة في أعلى بناء المال ، فالمال صرح الإنسان العالي ،