محمد غازي عرابي
1003
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
الكافرين الجاهلين أصحاب النار ، فاللّه يحمي المؤمن نفسه وغضبه وشهوته والدنيا ، أما الكافر فناره نفسه وغضبه والشهوات . [ سورة الفتح ( 48 ) : آية 27 ] لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً ( 27 ) [ الفتح : 27 ] الفتح فتحان خارجي وداخلي ، أما الخارجي فكان فتح خيبر الذي ذكر في الآية ، والأعم فتح العالم الخارجي من قبل الإنسان الذي خرج إلى الدنيا ليجد عالم العيان فدرس كتاب هذا العالم ، وعلمه ، وانطبعت في صفحة نفسه صوره ، حتى صارت لديه مجموعة الصور الحسيات التي هي حصالة قيمة للصور المعنويات ، فالموضوع الذي بحث في الفلسفة مخلوق من أجل الذات ، أي أن يكون عالم الحس مخلوق من أجل الإنسان ، وما الشعور بالانفصال إلا مؤقت ثم يدخل اللّه الإنسان في رحمته ، فيدخل الذات في الموضوع ، ويدخل الموضوع في الذات ، ثم لا يعود ثمت موضوع ولا ذات بل إله واحد أحد ، وهذه نتيجة الفتح الباطني حيث يطالع القلب الشيء في ذاته ، فإذا هو حاضر في الموضوع وحاضر في الذات ، ولقد حوّم كانط حول هذا الحائط ، وقال إن السبيل إلى الولوج في عالم الشيء في ذاته هو الأخلاق ، فكان قول كانط امتدادا لما قالته الأنبياء والرواقيون ، ثم الصوفية الأعلام وعلى رأسهم الإمام الغزالي . وللآية بطن ثان وهو أن الرؤيا التي أرى اللّه نبيه هي دخول المسجد الحرام ، والمسجد للسجود ، وفي السجود أمن لأنه سجود العرض للجوهر الذي هو قوامه ، فما رفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت الذي وضع للناس إلا لكي يحج الناس إلى هذا البيت ، ويطوفون حوله سبع مرات هي إشارة إلى صفات اللّه السبع ، وكنا فسرنا مكة بالصدر ، والكعبة بالقلب الذي في الصدر ، والحجر الأسود اللطيفة الموضوعة في القلب والتي هي الإنسان ، فمبتغى الإسلام أن يعلم الإنسان من هو وماهيته وجوهره ، ويفيء إلى اللّه ربه وخالقه ، وهو من دونه عدم ، ومعه عدم ، وبعده عدم ، لا إله إلا هو . . وهذا معنى حلق الرأس وتقصير الأشعار ، فبعد الطواف سبع مرات ينسلخ العبد من صفاته السبع ، فإذا هو بلا صفات ، وإذا صفاته للّه ، وبه قوامها ، وهذا هو القصد من الحج ، وهذا هو معنى سجود العبد لربه بوضع جبهته على الأرض ، ووراء الجبهة الدماغ ، وفي الدماغ القوى والمراكز العصبية ومراكز الحواس ، فإذا تبين الإنسان أن هذه الآلات للّه انسلخ من رأسه ، وما يحدث في رأسه من فتق الثلاثي الذي هو العقل والعاقل والمعقول ، فالعقل كان في البدء ، وهو الجوهر ، وهو العماء الذي كان فيه