محمد غازي عرابي

997

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

وإقامة الحدود ، أي تطبيق الشريعة التي لا يقوم المجتمع إلا بها ولا يصلح ولا يدوم ، والسكينة نور جواني ، به يرى صاحبه أنه ليس إلا لهذا النور مسكنا فيشع هذا النور ويعم حتى يعم الوجود كله ، فيعوم كل شيء في هذا البحر النوراني الذي إن شع شعشع الوجدان وطفر صاحبه سور المنطق والبرهان . [ سورة الفتح ( 48 ) : الآيات 5 إلى 6 ] لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً ( 5 ) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً ( 6 ) [ الفتح : 5 ، 6 ] دخول المؤمنين والمؤمنات الجنات نتيجة اتباعهم صوت الهدى وكونهم مطايا الأسماء ، فكما تصب السواقي في الأنهار ، وتصب الأنهار في البحار كذلك ينتهي ممثلو أسماء الجمال إلى الجنة الجميلة ، ومن سار على الدرب وصل . والفوز العظيم الفوز باليقين وعلم اليقين ، وأكثر أهل الأرض جاهلون لا يعلمون من أين جاؤوا ولا إلى أين يذهبون ، فسبحان من بيده ملكوت كل شيء ، أتى المؤمنين سؤلهم ، فكانت الجنة لهم مفازة من عذاب الدنيا والصراع ، فحطوا عصا الترحال في هذه الواحة ذات الظلال ، يفيئون إليها طلبا للراحة ، وأضيافا على اللّه صاحب الأنوار ، وكما يصير المؤمنون إلى الجنة يصير الكافرون والمشركون والمنافقون إلى النار ، والسبب كما ورد في الآية كونهم هم أنفسهم يظنون باللّه ظن السوء ، وما ظن السوء ؟ هو أن يتصور الإنسان صورة اللّه لها كذا وكذا من الصفات ، فإن كان كافرا أنكر وجود اللّه ، وإن كان منافقا رسم للّه صورة النفاق أي اللون ، وإن كان مشركا جعل صورة اللّه جامعة للشركاء ، وعلى رأسهم خواطر الإنسان نفسه وأناه ومشيئته وإرادته ، فكما يكون الإنسان يولى عليه ، وبالألوان التي يرسم بها ترسم له من ثم صورة يحبس داخل إطارها ، وبالمداد الذي يكتب به كلمات عقله يكون المداد الذي يحكم به عليه . [ سورة الفتح ( 48 ) : آية 7 ] وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ( 7 ) [ الفتح : الآية 7 ] [ الفتح : 7 ] الآية تفيد الجمع والحصر ، فلا خروج لأحد على دائرة المشيئة الإلهية ، وسبق أن قلنا إن جنود اللّه الخواطر التي تغزو رأس الإنسان ، وإذا كان اللّه غازي رأس الإنسان فما ذا بقي من الإنسان ؟ وإذا كان اللّه غازي كل شيء استوى بالتالي على العرش عزيزا قويا قادرا قاهرا لا شريك له في الملك ، حتى ولو امتلأت الأرض والسماء بصور الشركاء .