محمد غازي عرابي
996
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
سورة الفتح بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة الفتح ( 48 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ( 1 ) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 2 ) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً ( 3 ) [ الفتح : 1 ، 3 ] الفتح إشراق نور اليقين في فجر الاستفاقة من نوم الغفلة ، والفتح علم باطني ذاتي سماه سبحانه اللدني ، أي من لدنه ، فكان الفتح فتحا مبينا إلهيا ، به وعن طريقة يصل الإنسان إلى اللّه ، فمن أوتي الفتح فلقد أوتي خيرا كثيرا ، ومن أوتي الفتح أوتي العلم الحقيقي الذي لا يشوبه شك ، وليس بحاجة إلى دليل وبرهان ، ولهذا اتصفت الأنبياء بالعزم لدى الدعوة إلى الإيمان باللّه ، لأن ما رأوه في الفتح يجعل الإنسان بركانا يثور ليحطم كل ما في طريقه من سدود الأصنام والأوثان . أما الغفران الذي يعم ما تقدم من الذنب وما تأخر فمصدره المغفرة الوجودية السابقة التي سبق أن تحدثنا عنها ، والتي تطلع النبي والولي كشفا على أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان ، وأن أمر اللّه كان قدرا مقدورا ، وأن الإنسان مأخوذ بالناصية لتحقيق المرام ، فالمغفرة للنبي نتاج العلم الذي يطلع الإنسان على حقيقة شمس الوصول التي إن أشرقت أطفأت مصابيح الأصول فتبين للمكاشف أن كل إلى طبعه راجع وصائر كما أعلن الإمام الغزالي . والكشف يؤدي إلى الصراط . صراط الذين أنعم اللّه عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، والصراط شمل هؤلاء ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( إن اللّه تبارك وتعالى خلق آدم ، فضرب بيمينه على يساره فأخرج ذرية بيضاء كالفضة ، ومن اليسرى سوداء كالحمم ، ثم قال هؤلاء في الجنة ولا أبالي ، وهؤلاء في النار ولا أبالي ) ، وعلق الدكتور عاطف نصر قائلا : لقد فهم الصوفية من الحديث إشارته إلى الفضل والعدل الإلهيين ، وإلى ما تقتضيه الحكمة من السعادة والشقاوة ، لأنهما لا معنى لهما إلا بوجود السعداء والأشقياء . [ سورة الفتح ( 48 ) : آية 4 ] هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 4 ) [ الفتح : 4 ] السكينة وجود برد السّلام في القلب بعد إخماد نيران التناقض والتضاد ، فالإنسان في النار ما لم يصل إلى ربه ، ويعرف ربه ، ويرى آياته في السماوات والأرض وفي نفسه ، والسكينة إلقاء سلاح الجهاد إلا إذا دعت الضرورة إلى تطبيق قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،