محمد غازي عرابي
993
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
[ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 24 إلى 28 ] أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ( 24 ) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ ( 25 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ ( 26 ) فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ ( 27 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ ( 28 ) [ محمد : 24 ، 28 ] ثمت صلة بين تدبر القرآن والقلب ، فمن يطلب اللّه بالعقل يضلل ، هكذا أعلن الإمام أرسلان الدمشقي ، فاللّه لا يعرف بالعقل بل بالقلب والوجدان ، ولهذا جاء في موضع آخر قوله سبحانه : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 14 ) [ المطفّفين : 14 ] ، ردا على المكذبين بيوم الدين ، فربط ما بين سبب عدم تقبل ما جاء في القرآن وبين ما ران على القلب ، فلا طريق إلى معرفة اللّه إلا الأخلاق هكذا صرح الإمام الغزالي قديما ، والفيلسوف كانط حديثا ، فاللّه محجوب عن الإنسان ما دام الإنسان محجوبا بدوره عن نفسه ، أو أن نفسه محجوبة عنه لا يعرف حقيقتها وهويتها وإلهامها . [ سورة محمد ( 47 ) : آية 29 ] أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ ( 29 ) [ محمد : 29 ] يتكلم اللسان من فضلة القلب ، فترجمان القلب اللسان ، فما في القلب يخرجه اللسان ، ويأبى إلا أن يخرجه ، وإن حرص صاحبه على الكتمان فتظهر حقيقته في فلتات اللسان . [ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 30 إلى 31 ] وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ ( 30 ) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ ( 31 ) [ محمد : 30 ، 31 ] اللّه خلق الإنسان ، وجعل من قلبه أرضا بذر فيها بذور أسمائه ، ولو لم يبلو اللّه الناس لظلت أسماؤه في طي الكتمان ، فلم تنفلق البذرة ، ثم تكون شتلة فساقا فشجرة تحمل الثمار ، لقد أصر هيغل على القول إن الفكرة التي لا يعبر عنها بوسيلة ما لا قيمة لها ولا لصاحبها ، والعلم المطلق علم مجمل لم يفصل ، فلم يخرج ما فيه من ذخائر ، وما تطورت العلوم وبلغت ما بلغته اليوم إلا باستمرار الدراسة والملاحظة والتفكير والاستنتاج ، فليتصور الإنسان أرضا ليس فيها الإنسان ، وليس فيها إلا الحيوان ، والحيوان منقاد بالغريزة ، وقد علم مدخله وسبيله ومخرجه . . ثم سأل سائل اللّه عمن يكون ، وما أسماؤه . . أو كان اللّه يقول أسمائي كذا وكذا ، وصفاتها كذا وكذا ، وأفعالي كيت وكيت ، لو أنه لم يخلق الإنسان ، ويجعل هذه الأسماء لديه أمانة ، ثم يفتقها به وفيه وعن طريقه ؟ [ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 32 إلى 33 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ ( 32 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ ( 33 )