محمد غازي عرابي

982

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

[ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 10 إلى 12 ] قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 10 ) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ ( 11 ) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ ( 12 ) [ الأحقاف : 10 ، 12 ] كل من كان من ممثلي أسماء الجمال فهو مسلم جوهرا وحقيقة لأنه منقاد بإلهام اسمه وبوحي اللّه إلى تحقيق القصد ، وهذا هو معنى الإسلام ، ولقد كان يحدث أن يأتي النبي يهودي أو نصراني فيسأله أسئلة فيجيب عنها ، فيقر اليهودي أو النصراني ، ثم يسلم ويشهد أن لا إله إلا اللّه ، ويقول جاء في كتبنا مصداق ما قلت ، وهذا يؤكد أن مصدر الكتب المنزلة واحد ، والموحي واحد ، وأن اليهودي الحق والنصراني الحق لا يستنكفان عن إقرار هذا الدين الجديد المنزل والإيمان بهذا النبي الأمي صلّى اللّه عليه وسلّم الذي لم يكن يقول إلا ما يوحى إليه ، وعبد اللّه بن سلام هو من بني إسرائيل ، وقد أقر نبوة النبي والإسلام وصدق بهما ، وما تزال أخبار هؤلاء اليهود والنصارى الأصليون تترى وهم يؤيدون دين التوحيد الجامع للأديان . وقوله : وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ إشارة إلى مقام الإحسان الذي يلي مقام الإيمان ، وفيه تتحقق البشرى للمحسنين بأن يتجلى اللّه لهم فيرونه من وراء حجاب الصور ، ويرونه رب الصور ، ويرونه قبل كل شيء ومعه وقدامه ، والبشرى إيذان برفع الحجاب بين الحق والعبد ، والحجب كثيرة كما ورد في الحديث ، وسيدها والمسؤول عنها جبريل ذو الأجنحة اللامعدودة ، كما سمى السهروردي كتابه أجنحة جبريل ، والبشرى للأولياء بخاصة كما قال سبحانه : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 63 ) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ ، وقلنا إن النبي فسر البشرى في الحياة الدنيا بالرؤيا الصالحة ، فرفع الحجب منوط إذن بتحقيق البشرى التي تتحقق بمشاهدة الرؤيا الصالحة التي هي جزء من النبوة ومدخل إلى العلم الإلهي . [ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 13 إلى 14 ] إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 13 ) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 14 ) [ الأحقاف : 13 ، 14 ] خلود أصحاب الجنة نتيجة انكشاف الحجب نفسها ، فما دام الحجاب ، مسدلا بين الحق والإنسان فالإنسان في النار لأنه لا نعيم إلا برؤية اللّه عيانا كما ورد في الحديث ، فمن رفعت عن قلبه الحجب فلقد دخل الجنة حتى وإن كان في الدنيا ، وعلى هذا الأساس بشر النبي