محمد غازي عرابي

981

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

والأرض ، وما هذه الحركة الظاهرة والنشاط الحي للوجود إلا نتاج العقل الإلهي وحده وفعله ، لا إله إلا هو . وقوله : ( أثرة مّن علم ) ، له نكتة أيضا ، فلقد بينا في كتابنا الإنسان الكامل أن الطفل يطلب المعقول وينشد العدل والإنسان والحب ، وكذلك الحيوان غير العاقل ينفر من القسوة والأذى ويجب من يحبه ، فهذه نتائج العلم المتفجر من المعقولات والمبعوث في قلب الإنسان والحيوان وقيل في النبات أيضا الذي يحب الموسيقى والحنان ، والسؤال هو كيف وعى الطفل أن الحق حق والعدل عدل والإحسان إحسان ؟ وكيف وعى الحيوان هذا أيضا ولماذا إذا ما حاول الإنسان معاكسة المعقولات وإيجاد بدائل لها مني بالفشل الذريع كمحاولات بعض الطغاة أن يزرعوا القوة بدل العدل ، والعصبية بدل الإنسانية ، والأنانية بدل الغيرية . لقد فطر الإنسان على حب المعقولات الإلهية والتعلق بها وعدم الرضى بها بديلا ، وتلك سنة اللّه في خلقه ولن تجد لسنة اللّه هذه ، التي هي العلم ، تحويلا . [ سورة الأحقاف ( 46 ) : آية 9 ] قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 9 ) [ الأحقاف : 9 ] قال جلال الدين الرومي : كل من يتلقى من اللّه الوحي والجواب يكون كل ما يأمر به عين الصواب ، ولقد عاش النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حياة وديعة مسالمة حتى اصطفاه اللّه واجتباه وخصه بالنبوة والرسالة ، وقارئ السيرة واجد فيها العجائب ، فلقد دعا النبي إلى الدين الجديد وحيدا مستضعفا ليس معه إلا آحاد ، ثم الأقلون المستضعفون ، ويعجب المرء لإنسان استطاع وحده وبهذه الإمكانات المحدودة أن يجابه قريشا وفرسانها والعدد والعتاد ، وأن يصر إصرارا بطوليا على تحقيق ما دعا إليه ، وتكون النتيجة أن يفتح المسلمون الأمصار شرقا وغربا في بضع عشرة سنة ، وأن يصبحوا أقوى دولة بعد أن قهروا جيوش أكبر امبراطوريتين في الأرض الفرس والروم ، وأن ينتشر الإسلام في الأرض ويدخل الناس فيه أفواجا ، وأن يحل الإسلام في البلاد المفتوحة حتى يصير هو الأصل وأهل البلاد هم الفروع ، وأن تبقى راياته خفاقة وشعاراته مطبقة مرفوعة أربعة عشر قرنا ، وأن يبلغ عدد المسلمين اليوم خمس عدد سكان الأرض . ترى لو لم يكن الوحي ، صوت اللّه وحكمته ، هو الذي سدد خطى النبي وشد أزره ، وانتقل به من الضعف إلى القوة ثم إلى النصر والسلطان أكان يتاح للنبي أن يحقق ما حققه ، وأن يبلغ هذا الشأو من النجاح ، وأن يعد أول رجل في التاريخ كما صنفه أكبر علماء الغرب في عصرنا هذا ؟