محمد غازي عرابي
967
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
[ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 79 ] أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ( 79 ) [ الزخرف : 79 ] إبرام الأمر سواء على الصعيد الجزئي أم على الصعيد الكلي هو من أمر اللّه وبإذنه ، وكيف لا يكون الأمر كذلك وهو الملك في السماوات وفي الأرض ؟ فكل أمر أبرم فلقد أبرم بإذن اللّه ، وهذا هو معنى التوحيد ، ومعنى قوله تعالى : ( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لذهب كل إله بما خلق ) ، فإذا أبرم إنسان أمرا بغير إذن اللّه فهو إله ، وإذا أبرم الناس جميعا أمورا فهذا يعني أنهم آلهة يضافون إلى الوجود الإلهي الواحد وهذا مستحيل ، قال سبحانه مخاطبا نبيه تنبيها على هذه الحقيقة : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى . [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 80 ] أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ( 80 ) [ الزخرف : 80 ] تتابع الآية شرح ما جاء في الآية السابقة ، فاللّه مطلع على السرائر ، وهو في السريرة ، وعند المكاشفة هو السريرة ، ولهذا قال سبحانه في النفس : فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ( 8 ) ، فباطن الإنسان وجود إلهي يعمل فيه ملائكة المعقولات ناشطين يكتبون عن اللّه إملاء ما يجب أن يعملوا ، ويكتبون من تحتهم من الأجزاء والأبعاض نتائج العمل فيرفعونه إلى اللّه . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 81 إلى 82 ] قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ ( 81 ) سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 82 ) [ الزخرف : 81 ، 82 ] ليس في الوجود إلا اللّه ، ولهذا أقسم سبحانه في موضع آخر قائلا : وَوالِدٍ وَما وَلَدَ ( 3 ) ، فعمليات الولادة الجزئية موضع النشاط الإلهي ، ولقد ذهبت الصوفية ، ومن قبلهم الفيثاغوريون ، مذهبا شبهوا فيه الفيض الإلهي بالولادة ، ولكن هذه الولادة معنوية ، وإلا فمن هو الإنسان على الحقيقة حتى يمكن أن يكون للّه ولد ، وقد قلنا أن لا موجود بحق إلا اللّه ؟ [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 83 ] فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ( 83 ) [ الزخرف : 83 ] كررت هذه الآية في العديد من السور ، فاللّه سبحانه شبه ما الناس فيه بأنه لعب ولهو ، والحقيقة أن اللعبة إلهية ، والقصد من مصطلح اللعب كما يكون الأمر في الملاعب الرياضية ، أي أن اللعب الوجودي هو لعب الأسماء ، وبهذا يكون اللعب الوجودي هو النشاط الوجودي الأسمائي الإلهي نفسه ، فمن غفل عن أن للّه اللعب بالأسماء فلقد جهل القصد ، ومن فهم القصد عبد واتقى وعلم .