محمد غازي عرابي

961

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

[ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 23 إلى 24 ] وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ( 23 ) قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ( 24 ) [ الزخرف : 23 ، 24 ] تحذر الآيتان مما يسمى الدين التقليدي ، وهو ما يتوارثه الأبناء عن الآباء ، فأتباع الدين التقليدي يقلدون ما وجدوا عليه آباءهم أو وجدوهم على أمة أي على ملة ، والمطلوب النظر في ما خلق الآباء ، هل هو حق يتبع أم ثمة ما هو أهدى منه وأجدى ؟ والعقل يقتضي النظر في الدين التقليدي الذي هو دين الآباء والنظر في دين التحقيق الذي يبين الجادة ويهدي لما هو حق ، وأتباع الدين التقليدي موجودون في كل زمان ومكان ، فإلى يومنا هذا ما تزال الكثرة الكاثرة من الناس يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم ، والإنسان الذي أوتي نور العقل والتفكير في خلق السماوات والأرض ، وفتح باب قلبه كما قال رسول اللّه ، يقارن ويميز ويعرف الفارق بين دين التقليد ودين التحقيق ، ويحذر بالتالي التعصب الذي هو داء وبيل يصيب أصحاب الدين التقليدي . فالإنسان يفكر ويميز ويحلل وهذا وضعه العادي ، حتى إذا جوبه بأمر يتعلق بالدين التقليدي جعل أصابعه في أذنيه ، واستغشى ثيابه ، وأصر على أن دين آبائه هو الحق ، وتكون النتيجة وجود الفرق والطوائف والمذاهب التي يحارب بعضها بعضا ، ويكذب بعضها بعضا . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 25 إلى 30 ] فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 25 ) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ( 26 ) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ( 27 ) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 28 ) بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ ( 29 ) وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ ( 30 ) [ الزخرف : 25 ، 30 ] ضرب اللّه مثلا إبراهيم وموقفه من دين أبيه وقومه الذين كانوا يعبدون الأصنام ، فإبراهيم نظر في النجوم وفي الشمس والقمر ، ثم نظر في أصنام قومه ، فخرج على كل هذه الصور ، وفر إلى ربه مستغيثا ، فاستجاب له ربه وهداه ، وجعل الهدى في ذريته إلى يوم القيامة . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 31 إلى 32 ] وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ( 31 ) أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 32 ) [ الزخرف : 31 ، 32 ] يختص اللّه برحمته من يشاء من عباده ، ولا يحصر نور الهدى والنبوة في حسب أو نسب أو غنى أو جاه ، سبحانه هو القائل أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ . . . فالترتيب الهرمي الوجودي اقتضى وجود الغنى والفقر ، والرئيس والمرؤوس ، والقوي والضعيف والمعافى والسقيم ،