محمد غازي عرابي
960
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
وجلاله ، ولما كانت المعقولات قد سميت إناثا في القرآن ، وفي لسان الأقدمين ، وجعلوا هذه الإناث للّه ، فلقد أنكرت الآية أن تكون المعقولات أو الإناث جزآ من اللّه ، فاللّه كان أولا بمعنى الكينونة الدائمة التي لا بداية لها ولا نهاية ، ثم صدرت صفاته عنه ثانيا . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 16 إلى 18 ] أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ ( 16 ) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 17 ) أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ ( 18 ) [ الزخرف : 16 ، 18 ] الاستمرار في الإنكار على موقف الكفار والمشركين من الإناث والأنوثة ، فالعرب كانت تخاف إنجاب الأنثى لأسباب منها ما كان ينجم عن غزو القبائل لبعضها بعضا من سبي يعامل معاملة الإماء ويباع ويشرى ، فالأنوثة كانت مظلومة في الجاهلية ، ثم جعلوا هذه الأنوثة للّه لما قالوا إن الملائكة إناث ، واصطفوا هم لأنفسهم الذكور ، وكنا بينا دور الأنوثة في العالم ، وكيف أن العالم المادي كله أنوثة منفعلة عن الروح قابلة لورود أنواره ، ولهذا نرى شعراء الصوفية الكبار ضربوا مثلا للألوهية الأنوثة ، فسموا الذات الإلهية أسماء أنثوية مثل ليلى وسعاد ، وذلك تنبيها على عظمة الأنوثة وكونها الوجه الآخر للألوهية ، ومن إدراكه صلّى اللّه عليه وسلّم دور الأنوثة في العالم قال : « حبب إليّ من دنياكم النساء » ، كما تزوج بتسع نساء ، وكان يخطب المرأة لجمالها أو لحسبها ونسبها ، والرسول القائل في النساء : « رفقا بالقوارير » . فالكشف العرفاني يقتضي رفع الأنوثة إلى مستوى الألوهية لاخفض الألوهية إلى مستوى نظرة العرب القدامى للأنوثة وقد عدوها خزيا وعارا ، ولهذا قال اسبينوزا : لقد رفعت الطبيعة - والطبيعة رمز الأنوثة - إلى مستوى اللّه ، ولم أهبط باللّه إلى مستوى الطبيعة . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 19 إلى 22 ] وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ ( 19 ) وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ( 20 ) أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ( 21 ) بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ ( 22 ) [ الزخرف : 19 ، 22 ] تحدثنا عن دور الملائكة المعقولات الفاعل ، فالمعقول وهو الصفة يقتضي نشره ، وأصل المعقول اللّه ، واللّه خلق الملائكة النوارنين لتحقيق هذا الانتشار ، فالملك فاعل في سماوات المعقولات ، وفي أرض البدن ، ولهذا كان أصحاب النار ملائكة أيضا كما قيل في موضع آخر في القرآن ، ومن يقل إن الملائكة إناث كافر بالملائكة ورب الملائكة ، ومن يقل إنهم إناث هو من أصحاب النار والحجاب ، ذلك أن جزاء من جعل الفاعل منفعلا بقاؤه بعيدا عن الحقيقة ، والبعد حجاب ، والحجاب النار .