محمد غازي عرابي

959

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

[ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 13 ] لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ( 13 ) [ الزخرف : 13 ] قوله : لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ إشارة إلى ظهور الإنسان نفسه بجسمه وهو عليه محمول ، ولقد فصلنا الكلام في هذا الاستواء الإنساني على الجسم المادي في كتابينا الإنسان الكامل والإنسان الكبير معتمدين حقائق نفسيه وفيزيولوجية استنبطناها بعملية استبطان ذاتية لا سبيل إلى نكرانها ، مما يثبت أن الإنسان ليس جسده ، وأن جسده دابة معارة له ، عليها استوى . [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 14 ] وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ ( 14 ) [ الزخرف : 14 ] الانقلاب إلى اللّه الانصراف إليه ، وهي نتيجة مترتبة على انفكاك الإنسان عن العالم المادي ولحوقه بالعالم الروحاني ، والعالم الروحاني هو الربوبية التي تقتضي الرب والمربوبين ، فيكون الإنسان جزآ من هذا البحر الكلي العظيم ، وجزآ متعينا متشخصا مكلفا بحمل الأمانة التي هي إظهار الصفات الإلهية نفسها ، فالإنسان مطية اللّه مثلما أن جسده مطية له ، فهو بين بين ، بين العالم الحسي والعالم الروحي جسر معلق منصوب ، ولهذا قيل إن الإنسان وجود بين عدمين ، قال الإمام إبراهيم الدسوقي : من لم ينخلع من طوره ، ويخرج عن نفسه ، ويأتي هو بلا هو ، لا يجد عند ذلك هو ، وأنشد الحلاج : هيكليّ الجسم نوريّ الصميم * صمديّ الروح ديان عليم عاد بالروح إلى أربابها * فبقي الهيكل في الترب رميم [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 15 ] وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ( 15 ) [ الزخرف : 15 ] لا أجزاء مع اللّه ، لأن هذه الأجزاء عين تعين الكلي ، فهي بمثابة إطار حسي لهذا النور ، وفي عالم الذرة بينت العلماء أن الجسيمات الدقيقة التي تتكون منها الذرة تكون تارة جسيمات وطورا موجات ، فهي إذن وسط وسيط بين عالمي المادة والروح ، وقال بعض العلماء إن الموجات قد لا يكون لها وجود مادي على الإطلاق ، وإنها ذات أصل عقلي خالص ، وإن للموجات والجسيمات معادلات عقلية علمية تكتشفها العلماء ، وسخروها في سبيل معرفة أسرار عالم الفضاء ، فالجزء إذن نور من نور ، أو نور على نور ، أو كما قال السهروردي نور مضاف ونور معار ، ولهذا قالت الفلاسفة إن عالم الحس والمادة ممكن في ذاته ، واجب بغيره ، وإن عالم الروح وحده ، أو الجوهر ، هو الواجب بذاته . فالجزئي مستند إلى الكلي بما في ذلك أنوار المعقولات نفسها ، حيث أصرت الأشاعرة على القول إن صفات اللّه وأسماءه لا هي هو ولا هي سواه إمعانا في تنزيهه عما لا يليق بكماله