محمد غازي عرابي
958
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
عبدت اللّه منذ القدم ، وما دخل التحريف في توحيدها إلا بسبب عبث المحرفين ، وما عبدت العرب هذه الآلهة الرمزية إلا من قبيل عبادة الصور التي نبهنا على خطورة الدور الذي لعبته هذه العبادة عبر التاريخ . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 10 إلى 12 ] الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 10 ) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ ( 11 ) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ ( 12 ) [ الزخرف : 10 ، 12 ] وصفت الأرض بأنها مهد ، أي كمهد الصبي ، وذلك لأن الأرض تحتوي الروح والنفس ، والمهد يحتوي الصبي ، وفي هذا الهيكل ثمة الحقيقة الإلهية مودعة ومحجوبة بحجب الأسماء والصفات ، والمطلوب من الإنسان أن يتعرف ربه من خلال تعرفه العالم الخارجي أولا ، وتعرفه نفسه ثانيا ، فإن اللّه لمحجوب بحجبه النورانية إلى أن يحين وقت التجلي ، قال الإمام أبو علي أحمد الروذباري : كيف تشهده الأشياء وبه فنيت بذواتها عن ذواتها ، أم كيف غابت الأشياء عنه وبه ظهرت بصفاتها ، فسبحان من لا يشهده شيء ، ولا يغيب عنه شيء ، وقال الحسين بن منصور : حجبهم بالاسم فعاشوا ولو أبرز لهم علوم القدرة لطاشوا ، ولو كشف لهم عن الحقيقة لماتوا . ولقد سبق أن وصفنا الصورة الوجودية الجامعة التي يكون الخلق إطارها واللّه ألوانها وذاتها ، فالألوان هي الأزواج التي خلقها اللّه معقولات لطيفة توارت بالحجاب الحسي ليظهرها من ثم الحس بعد أن يلطف ويشف ، ولهذا كان المطلب الإلهي من الإنسان أن يشق حجبه الكثيفة وصولا إلى المعقولات الشفافة المودعة فيه . والفلك الهيكل الحامل لأزواج المعقولات ، ولهذا قلنا إن أرسطو أصاب لما أنزل مثل معلمه أفلاطون من السماء إلى الأرض وربطها بالمادة ، وقال أن لافصال بين الصورة والمادة ، فلا فلك بلا أزواج من المعقولات فيه ، وما خلق اللّه الفلك ، وجعله يعوم في بحر الهيولى إلا لتعوم به بالتالي أزواج المعقولات نفسها . والأنعام الأجسام الجزئية الحيوانية الحاملة للصور والهوية ، ولهذا كانت الأنعام مثل الفلك الحامل للصور ، فالأمر ظاهر باطن ، وظاهره العالم الحسي وهو بمثابة الجسم الكلي ، أو قل الحيوان الكبير ، وباطنه العالم المعقول وهو بمثابة الروح الكلي الذي هو حكمة اللّه وقدرته وقانونه .