محمد غازي عرابي
957
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
سورة الزخرف بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم ( 1 ) [ الزخرف : 1 ] الحاء حيرة العارفين بعد إتمام العروج في سماوات المعارج والمعارف ، فإذا اللّه ظاهر باطن ، وهو الأول والآخر ، والإنسان المستودع للأمانة الإلهية من الأسماء والصفات ، والميم مركز الدائرة المشع وقد تحدثنا عنه من قبل ، فإذا كان انطوى في الإنسان العالم الأكبر كما قال الشيخ الأكبر ، فإن النتيجة أن الإنسان دائرة محيطها هيكله ومركزها اللّه وأسماؤه وصفاته . [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 2 ] وَالْكِتابِ الْمُبِينِ ( 2 ) [ الزخرف : 2 ] المبين الذي يظهر حقائق التوحيد ، فليس ثمة إلا القرآن من يظهر العرفان . [ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 3 إلى 8 ] إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 3 ) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ( 4 ) أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ ( 5 ) وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ ( 6 ) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 7 ) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ( 8 ) [ الزخرف : 3 ، 8 ] إذا كان القرآن قد نزل عربيا لتفهمه العرب ، فما تكون لغة أم الكتاب وفي أم الكتاب يكون القرآن ؟ في الحقيقة أن أم الكتاب ليست كلاما من النوع الذي يقال ويسمع ، ولهذا قال سبحانه إن القرآن في أم الكتاب ، ولم يقل إنه من أم الكتاب ، أو أنه خرج من أم الكتاب ، والنكتة أن أم الكتاب هي مجموعة الحقائق العلمية المثبتة وغير القابلة للتبديل ، فالحقيقة يعبر عنها بالحرف والكلمة ، ولكنها ليست هي نفسها الحرف والكلمة ، فحين توصف الشجرة بأنها خضراء فإن الخضرة تكون في الشجرة ولا تكون ، لأن الخضرة نفسها ليست الشجرة ، كما أن الشجرة ليست الخضرة ، ولهذا قيل إن صفاته تعالى ليست هو ، وليست غيره ، قال الإمام أبو محمد عبد اللّه المرتعش ذهبت حقائق الأشياء ، وبقيت أسماؤها ، فالأسماء موجودة والحقائق مفقودة . [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 9 ] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ( 9 ) [ الزخرف : 9 ] كنا قد ذكرنا عما نتج عن اكتشافات إيبلا الأثرية التي أثبتت أن القدامى عرفوا اللّه الواحد الأحد وعبدوه ، بالإضافة إلى عبادة آلهة رمزية ثانوية أخرى ، فهذه الأمم ، ومنها العرب ،