محمد غازي عرابي
955
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
الذي يجعل المولود ذكرا أو أنثى ، ولكم حاولوا التدخل لكشف هذا السر والسيطرة عليه والتحكم فيه ، والملاحظ أن ثمت نسبة بين الذكور والإناث في المواليد ، وأنها تقارب الخمسين في المائة لكل منهما ، ولوحظ أن هذه النسبة تتغير في الحروب وعقب الحروب ، وما ينجم عنها من نقص في عدد الذكور ، حيث تعود النسبة لتقيم الوزن بالقسط وتعيد النظام إلى المواليد ، ولئن ألقيت نظرة على الأزواج في العالم لكان العجب ، فوالدان يلدان ذكورا فقط ، ووالدان يلدان إناثا فقط ، ووالدان يلدان نسبة كبيرة من الذكور ونسبة صغيرة من الإناث أو العكس ، ولطالما تساءلت الناس لو أن والدي الإناث ولدا ذكورا وإناثا ، ووالدي الذكور ولدا إناثا وذكورا أيضا فأي خلل يمكن أن ينجم عن هذا التوالد ؟ ولماذا لا يلد والدا الذكور إلا ذكورا ، ولماذا لا يلد والدا الإناث إلا إناثا ؟ والحقيقة أن الحق له الحق وحده في أن يهب من يشاء ذكورا ، ويهب من يشاء إناثا ، ويجعل من يشاء عقيما ، فالحق صاحب الأمر والفعل ، وهو وحده صاحب المعادلات العلمية الكيمائية التي تقتضي ما يقع في مسرح الواقع ، وقيل إنه لم يعرف حتى الآن إلا عشرة في المائة من أسرار التفاعلات الكيمائية التي تقع في منطقة الغابات في الكثرة الأرضية ، وعلاقة الغابات بكل ما يقع في الأرض من أحوال في الطقس والمناخ وهطول الأمطار . فالإنسان في مجال النسل ليس له إلا تمثيل دور الوسيط في الفعل لا غير ، وهو عاجز حتما عن التدخل في قضايا وجودية خارجة عن نطاقه الجزئي البشري ، وثمت حقيقة تنجم عن هذه المسألة تجابه الطبيعيين المؤمنين بالطبيعة وبأنها هي الخالقة المدبرة . . . فعلى مدى عشرات الألوف من السنين من عمر الإنسانية ظلت نسبة توالد الذكران والإناث ثابتة ، تحافظ على ذاتها ولذاتها ، والسؤال هو لو أن الطبيعة كانت المسؤولة عن هذه العملية ، والطبيعة لا عاقلة كما هو معلوم ، أفلا كان ممكنا أن يأتي زمن يقع فيه هذا الخلل طالما أن الطبيعة لا عاقلة ؟ وإذا وقع هذا الخلل فما تكون النتيجة المترتبة على ذلك ؟ فليتصور الإنسان ألا يلد الآباء سوى ذكور ، أو ألا يلدوا سوى إناث ، ثم فلينظر إلى ما يقع في الأرض بعد مرور خمسين عاما فقط على وقوع هذا الحدث العظيم . أما باطن الآية ففيه الرجوع إلى المعقولات والمتعينات ، وصلة المعقولات بالتعينات ، وكنا فصلنا الكلام في كون الإنسان منفعلا قابلا وآلة هي مركبة حاملة للروح ، وأن الروح هو الفاعل ، وعلى هذا فاللّه يهب لمن يشاء من الناس إناثا ، وذلك لأن العالم الحسي كله بمثابة أنثى كما قلنا ، وعليه يكون الإنسان أنثى ، وتكون صفته الإلهية ذكرا تستخدمه ليضع إناثا من المتشخصات وذكرانا من المعقولات نفسها ، ويكون الوجود كله ذكرا وأنثى ، ذكرا فاعلا