محمد غازي عرابي
953
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
ونشاطها ، وكم من مواقف للعافين جعلت الظالمين يرتدون عن ظلمهم مستغفرين وراغبين إلى اللّه مليك العفو الرحيم . [ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 44 إلى 48 ] وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ ( 44 ) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ ( 45 ) وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ ( 46 ) اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ( 47 ) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ ( 48 ) [ الشورى : 44 ، 48 ] لما كان سبحانه هو المضل الهادي ، ولما كان يمارس الإضلال والهداية عن طريق إلهام الفجور والتقوى كان سبحانه هو القاهر ، إن شاء أضل ، وإن شاء هدى ، ولا راد لحكمه هذا ، فالإنسان محكوم من باطنه ، أي من قبل فكره بالذات ، والفكر للّه وسماه عقلا ، به يأخذ ويعطي ويرفع ويضع ويعز ويذل ، فإذا أراد اللّه أن يضل عبدا حرك فكره في طريق الضلالة فضل . وللآيات صلة أصولية بالآية السابقة التي تتحدث عن العفو ، قال عبد الكريم الجيلي : كما يجب ظهور اسمه المنعم كذلك يجب ظهور اسمه المنتقم ، وقال جلال الدين الرومي : الكافر والمؤمن كلاهما ينطق باسم اللّه ، لكن شقة شاسعة تفصل بينهما ، وقال سعيد الخراز الكامل لا يرى من يرسل غضبه عليه من الخلق ، وقال علي وفا : من شهد أن كل ذي نفع عين من أعيان النافع الحق ، وكل ذي ضر من أعيان الضار الحق ، فلم ير شيئا منها بالحقيقة إلا لربه الحق ، فحيثما ولى فثم وجه اللّه ، وقال الشاذلي : إياك أن تقف مع الخلق ، بل إنف المضار والمنافع عنهم ، لأنها ليست منهم ، واشهدها من اللّه فيهم ، وفر إلى اللّه منهم بشهود القدر الجاري عليك وعليهم ، أو لك ولهم ، ولا تخف خوفا تغفل به عن اللّه تعالى ، وترد القدر إليهم فتهلك ، وقال الشعراني : جاهدت الأنبياء والرسل الكفار مع علمهم بأن ما جاهدوهم لأجله بقضاء اللّه وقدره لأنهم خلقه ، ومع علمهم بأن الكفار ما خرجوا عن الإرادة السابقة فيهم ، إذ للرحمة حد لا تتعداه ، فالذي أمر بالرفق بالبهائم مثلا هو الذي أمر بذبحها .