محمد غازي عرابي

952

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

حاتم طيء ما سمعنا بخبره ، ولولا شجاعة عنترة وعفته ، وفصاحته ما علق شعره مع المعلقات ولا ضرب مثلا للحب والمروءة والرجولة ، ولقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم رجلا عاديا يتجر في مال زوجه خديجة ، فإذا هو بعد الاصطفاء قد احتل مكانة لا يدانيها مكانة إنسان آخر في التاريخ . [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 38 ] وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 38 ) [ الشورى : 38 ] جعل اللّه الأمر شورى بين المسلمين علما أنه هو المريد القاهر ، ذلك أن المتشخصات الحاملة للصفات ، والتي هي الناس أجمعون ، تلتقي وتفترق وتتفق وتختلف ، فلكل تعين اسم صفته الخاصة ، فهو ينظر من خلال منظارها ، ويحكم من رؤيته بهذا المنظار ، ولهذا جعل اللّه الحكم شورى لكي تمارس الأسماء دورها ونشاطاتها وبالتالي أحكامها ، أما الحكم فهو لإرادة الأغلبية ، وهذا هو ما يدعونه اليوم الديمقراطية التي كان الإسلام السباق إلى تبنيها ورفع شعارها ورايتها ، ولقد عرف عن النبي أنه كان يشاور أصحابه علما أن له الوحي ، وهذا الوحي هو العليم الحكيم والأعلم من الناس أجمعين ، ولكم ارتأى النبي أمرا وارتأى غيره خلافه ، كما حدث مع عمر الذي أفتى بقتل الأسرى في حين رأى النبي فداءهم . فالناس إن اتفقوا على أمر كان اتفاقهم هو الحكم الصحيح ، ذلك لأن الأسماء نفسها هي التي تكون قد قضت هذا الحكم بالأغلبية . [ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 39 إلى 43 ] وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ( 39 ) وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 40 ) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ( 41 ) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 42 ) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 43 ) [ الشورى : 39 ، 43 ] في الآيات موقفان من البغي أي الظلم ، الأول عزم الانتصار أي الانتقام من الظالمين ، وهو حكم بدهي وأساسه القاعدة أن العين بالعين والسن بالسن ، والإنسان مفطور على حب العدل وطلبه وإحقاقه ، وقلنا في كتابنا الإنسان الكامل إن الأطفال يحسون العدل ويطلبونه ، فالعدل فطرة فطر اللّه الناس عليها ، والموقف الثاني من الظلم هو العفو ، والعفو من شيم الكرام ، والعفو عند المقدرة ، والعفو صفة لأولي العزم ، وقال عليه السّلام : ليس الشديد بالصرعة ، إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب ، فمن عفا وأصلح فأجره على اللّه ، وللقول لطيفة ذلك أن العاف قد انفك من أسر الصفة الداعية للانتقام ، وقلنا إن كل صفة أسر وسجن ، فإذا عفا الإنسان أيقظ ممن عفا عنه صفات قد تكون غافية فيه لم يتح لها من قبل أن تمارس دورها