محمد غازي عرابي
951
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
[ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 32 إلى 35 ] وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ ( 32 ) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 33 ) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ( 34 ) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ( 35 ) [ الشورى : 32 ، 35 ] ظهر الآيات السفن العائمة في البحر وفق قوانين كشفتها العلماء فصنعوا البواخر على أساسها ، لقد صنع إنسان القرن العشرين بواخر من حديد تبدو حقا في البحر كالأعلام أي كالجبال . أما بطن الآيات فهو عوم المعقولات في بحر اليهولى ، وهي تبدو كالجبال في عالم العيان ، والمعقولات ظاهرة خفية ، فالمعاني يمكن تمثلها ، ولكن لا يمكن إظهارها بغير مظاهر تحملها ، ولهذا كانت المحسوسات بالنسبة إلى المعقولات بمثابة البحر الذي يحمل الجواري كالأعلام . والحركة هي التي تظهر المعقول ، فلو لا فعل السخاء ما استدل على صفة الكرم ولا عرفت ولا ظهرت ، وكذلك قل في الحلم والشجاعة والعفة والمروءة وأمثالها من المعقولات وحركة العالم هي المظهرة لما في بطنان العالم من صفات ، وكل هذا بأمر اللّه ، فلو لم يحرك اللّه العالم لما ظهرت الصفات ، ولو لم يلق سبحانه الدواعي في القلوب ما تحركت القلوب وحركت لفعل الخير وإظهار الصفات . أما غرق السفن فهو بمثابة الشر الذي إن غلب غلبت الصفات وظهر الفساد في البر والبحر ، والشر آية من آياته سبحانه القائل : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ( 1 ) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ ( 2 ) ، فاللّه خلق الشر للتحريك أيضا ، فظهوره على الخير لقصد ، وظهور الخير على الشر لقصد ، والقصدان ظهور اللّه عز وجل علما فوق الجواري الأعلام . [ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 36 إلى 37 ] فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 36 ) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ( 37 ) [ الشورى : 36 ، 37 ] أمر اللّه نبيه والمؤمنين بالصبر والصلاة والاصطبار على الصلاة ، فكل ما يؤتاه الإنسان من عالم الحس هو له لا اللّه ، وما يكون للإنسان من دون اللّه فهو مؤقت عرضي لا قيمة له ، كاللذات التي تبدو كالجوار الأعلام أيضا ، ولكن قضاء الوطر يكشف الأثر ويظهر الخبر وهو كون اللذات حسا عارضا لا قيمة له حتى وإن بذل الإنسان فيه نفسه وماله . فلا شيء يعدل في الحياة الجواري الأعلام الإلهية التي هي الزينة الحقيقية ، وما خلد التاريخ سير العظماء إلا لأنهم تحلوا بحلي الصفات من أساور من ذهب وفضة ، ولولا سخاء