محمد غازي عرابي
928
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
يستطع حتى الآن أن يكتشف كيف تنبه الأنا الدماغ ، ولا كيف ينبه الذماغ الأعصاب ، ولا كيف تنقل الأعصاب أوامر الأنا ثم الدماغ إلى الحواس ، وسيظل الإنسان أحجية تتحدى العلم قديما وحديثا ، إلى أن يقع العلماء للحقيقة ساجدين ، مقرين بأن وراء هذا العالم قوة خفية مهيمنة حكيمة علمية تأمر وتحرك وتنشط وتنيم وتوقظ وتقيم وتقعد ، وتجعل الرضيع يمص ثدي أمه ، وتجعل الوحش يحن على صغاره ويدافع عنهم ويطعمهم ويسقيهم ، وتجعل الوعلة تضحي بنفسها فتخرج إلى الذئاب من أجل إنقاذ ولدها . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 62 إلى 63 ] ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 62 ) كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 63 ) [ غافر : 62 ، 63 ] عودة إلى الحديث عن خلق الأشياء بما في ذلك الخواطر والأفعال ، ولهذا جاء في الآية أن اللّه خالق كل شيء ، والعالم شيء ، وكل ما في العالم شيء ، وكل ما هو موجود شيء ، والشيئية له سبحانه . [ سورة غافر ( 40 ) : آية 64 ] اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 64 ) [ غافر : 64 ] في الآية ثلاثة أسس الأرض والسماء والصور ، وبناء الإنسان قائم على هذه الأسس ، فالأرض جسمه ، والسماء فكره وخواطره ، والصور المعقولات التي لا غنى له عنها ولا غنى لها عنه ، واللّه خلق الإنسان ليجمع بين الصور والمحسوسات بالفكر ، والصور التي أحسنها اللّه كل ما يتجه إليه الإنسان قاصدا تحقيقه من خير وشر ، وقلنا الشر جزء من الخير وتقويم له وهو ضرورة لوجوده ، والإنسان من بين المخلوقات جميعا من خص بهذا الشرف العظيم شرف ارتقاء سلم المعقولات الإلهية وصولا إلى المعرفة الإلهية ورقي الإنسان رقي في سماء المعقولات نفسها ، وما نزلت الأديان إلا لتعين أصحاب المعقولات الشريفة على العروج في سماء المعقولات ، وما فرض اللّه الفرائض والعبادات إلا ليسوق المؤمنين بالسلاسل إلى الجنة ، أما الكافرون فسلاسلهم أغلال هي من نوع طينتهم ، فقال ابن عربي إن عذاب الكافرين عذوبة ، والنتيجة ما ذكره اللّه إنه رزق الناس من الطيبات ، وشمل الكلام الناس جميعا ، وانتهى بقوله تعالى إنه رب العالمين لا يخرج عليه إنس ولا جان ، مؤمن ولا كافر . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 65 إلى 66 ] هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 65 ) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 66 ) [ غافر : 65 ، 66 ]