محمد غازي عرابي

926

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

والمؤمن يقول للكافر : إركع لكي تفهم ، ويجيب الكافر : لن أركع حتى أفهم ، والركوع صلاة ، والصلاة عبادة ، والعبادة أخلاق ، والأخلاق إلهية ودليلها الضمير ، فالرد على فرعون لا يكون من طبيعة ما سأل ، بل يكون في امتثال أوامر اللّه ، أي اتباع الطريق الأخلاقي حتى يفهم الإنسان ، قال سبحانه : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( 99 ) [ الحجر : 99 ] . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 57 إلى 60 ] لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 57 ) وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ ( 58 ) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ( 59 ) وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ ( 60 ) [ غافر : 57 ، 60 ] السماوات والأرض إشارتان إلى الظاهر والباطن من الوجود ، وفي اللغة الأرض كل شيء يسفل ويقابل السماء ، ويقال لأعلى الفرس سماء ولقوائمه أرض كما قال الشاعر : وأحمر كالديباج أما سماؤه * فريا وأما أرضه فحول وعلى هذا فالإشارة إلى الجسم الكلي الذي تحدثنا عنه ، أو العالم المادي نفسه بدآ من تكثف الأجرام إلى خلق الجراثيم ، وتقول الآية إن هذا العالم أكبر من خلق الإنسان ، إذ الإنسان مدرج في هذا العالم ، ولهذا قلنا فيه إنه الجسم الجزئي والعقل الجزئي ، ونضيف وله الوجود الجزئي ، وما هذا الوعي المسمى الأنا سوى وعي حسي جعله اللّه محل نشاط الدماغ ليكون وسيلة اتصال بين عالم المحسوس وعالم المعقول ، فلولا خلق العالم ما خلق الإنسان ، ولولا العالم الحسي ما كان الإنسان ، وبزوال العالم يزول الإنسان ، وإذا مرض الجسم مرضت النفس معه ، وإن أصاب مركز من مراكز الدماغ وهن أو تلف وهن الإنسان وفقد ما كان يملكه ، فوجود الإنسان مرتبط بوجود العالم ، باق ببقائه ، زائل بزواله ، ولا يبقى من الإنسان إلا هذه اللطيفة المسماة الذات الناطقة الكلية التي تحل وتعمل ، ثم تفارق المحل إلى محل آخر لتعمل فيه ، ولهذا دعيت الأديان السماوية منها والروحية إلى ضرورة تنبيه الإنسان على واقعه وعلى ضرورة التحاقه بربه الروح الكلي ، أي عودته شعاعا إلى الشمس التي كان صدر منها حيث يذوب الجزئي في الكلي ، ولا يبقى إلا اللّه الواحد القهار . والأعمى من لا يرى الحق ظاهرا في هذا الوجود العظيم ، والبصير من يراه ، والبصير من البصيرة ، فمن كان ذا بصيرة . منورة رأى اللّه ظاهرا في المظاهر ، ومن لا يرى اللّه مسيء إلى ربه وإلى الناس وإلى نفسه ، لأنه لا نجاة له من شرك نفسه والنفس شرك عظيم ، وهو مسيء إلى الآخرين لأن نفسه تحجزه عن الأخرين ، ولهذا قال سبحانه في موضع آخر : وَمَنْ يُوقَ