محمد غازي عرابي
921
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
الأسماء إشارات إلى العاقلتين النظرية والعملية اللتين هما شعبتا الفكر نفسه ، وموسى ممثل الروح البارز إلى الفكر ليحذره نفسه كما قال سبحانه : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [ آل عمران : 28 ] ، والبروز علمي كما برزت الطبيعة بأسرها ونظامها وقوانينها للعلماء فتعلقوا بالأسباب وأبوا أن يعترفوا بمسبب الأسباب ومحرك الأسباب ومظهر المسببات . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 25 إلى 27 ] فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ ( 25 ) وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ ( 26 ) وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ ( 27 ) [ غافر : 25 ، 27 ] لا يرضى العقل البشري بالتنازل عن عرشه ، وهذا ما أشارت إليه الآية قائلة على لسان فرعون إني أخاف أن يبدل دينكم ، ولينظر الإنسان في أحوال هذا الزمان يجد أن الفكر البشري هو الأمير ، بل هو السلطان الحاكم بأمره في هذا الكوكب ، وكلما مر الزمان قل الإيمان وكثر الإيمان بالعقل البشري وإمكاناته ، ولهذا استعاذ موسى من كل متكبر يصر على الاستكبار على اللّه . وموسى يقول : إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ ، أي أن موسى علم أن ربه هو رب فرعون وهامان وقارون ، وإن كان هؤلاء لا يعلمون ما علمه ولقول موسى عليه السّلام نكتة تذكر بنظرية كانط القائل إن المبادئ العقلية والأفكار القبلية هي الحاكمة في العالم ، وإن العقل الإنساني لا يرى العالم إلا من خلال هذه المبادئ أو المنظورات العقلية ، وضرب كانط مثلا لهذا رجلا يضع على عينيه نظارة خضراء فهو لا يرى العالم إلا أخضر ، وأضاف كانط قائلا : إن الإنسان لا يستطيع أن يرى العالم كما هو ، أي على حقيقته ، بل هو يراه من خلال منظاره هو ، وقال كانط إن حقيقة الشيء في ذاته ، أي حقيقة العالم ، لا تعرف ، ولا سبيل إلى قرع أبوابها إلا عن طريق اتباع القانون الأخلاقي الذي هو جزء من النظام الوجودي العام وصوت الشيء في ذاته نفسه . والمهم القول إن الإنسان محكوم بالقوالب العقلية ، ولهذا تحدثنا من قبل عن سجن الأسماء للإنسان فقلنا إن كل إنسان سجين اسمه وصفته ، وإنه ما من إنسان يستطيع الخروج من هذا السجن الذي هو طبيعته ذاتها وفكره ذاته ، فالاسم الإناء الذي يوضع فيه ماء الإنسان ، فكيفما كان شكل الإنسان ولونه كان الإنسان ، وهذا هو معنى الربوبية الحاكمة للوجود ظاهرا وباطنا ، ولهذا كان رب موسى هو رب فرعون وهامان ، لأن الأخيرين يعبدان ربا يرونه ربا ، وأن فرعون مد عينيه إلى احتلال مكانة الربوبية نفسها فانتحلها ، ووضع تاجها على رأسه وقال