محمد غازي عرابي

918

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

تعينات أسماء الجمال ذرية بعضها من بعض ، خالدة كلما فني منها جيل جاء جيل فهم أجداد وآباء وأبناء ، ويرث بعضهم بعضا كمالا وحسنا وبهاء ، وتثبت العلوم الطبية دور الجينات والصبغيات في حفظ الوارثة ، والدور الذي تقوم به الوراثة في حفظ الصفات الفيزيولوجية والنفسية ، وتتبعت العلماء هذا الخط الوراثي حتى انتهوا إلى الحيرة متسائلين : أين البداية والمبدأ ، ومن البادئ الأول ؟ والآية تقول إن المبدأ والمبدئ عزيز حكيم ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( لا ضرر ولا ضرار ) ، وقال : ( لا عدوى ولا طيرة ) ، فقالوا : ما بال البعير الأجرب يعدي القطيع كله ؟ فقال : ( ومن أعدى البعير الأول ) ؟ [ سورة غافر ( 40 ) : آية 9 ] وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 9 ) [ غافر : 9 ] إن لم يق اللّه الإنسان فلا واقي له ، ولهذا حذرت الصوفية كثيرا من داء العجب الذي يتربص بالعابدين السالكين ، فما دام الخير والشر جميعا من اللّه ، ويتحققان عن طريق الأسماء ، والخواطر فالأمر بالتالي للّه ، فهو المستوي على عرش قلب الإنسان ، إن شاء هداه ، وإن شاء أضله ، وما لم يع الإنسان هذه الحقيقة الذاتية فسيبقى من أصحاب الكبائر ولا يعلم ، لأنه لم يعلم ما فضل اللّه عليه إذ وقاه السيئات ورحمه . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 10 إلى 11 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ ( 10 ) قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ( 11 ) [ غافر : 10 ، 11 ] الإماتة الأولى إماتة الصفة بالمكاشفة ، ولقد تحدثنا عن هذا الموت المعنوي الذي يعيشه أصحاب الذوق ، وهو ما سميناه المكاشفة ، أما الإماتة الثانية فهي إماتة النفس ذاتها ، وهو موت سميناه المشاهدة حيث يشاهد العارف في القيامة الصغرى كيف تموت نفسه الجزئية من حيث كونها جزئية ، وترجع من ثم إلى ربها راضية مرضية باعتبار الجزئي قد التحق بالكلي ما دام قد اشتق منه أصلا . والإحياآن أولهما إحياء الصفة نفسها ، ولكن بعد أن تقوم باللّه لا بنفسها ، أي حين يقوم العرض بالجوهر ، وهذا مقام عيسى عليه السّلام ، وحين تكون النار بردا وسلاما على قلب المؤمن ، والإحياء الثاني إحياء النفس ، وذلك بعد أن رجعت إلى ربها كما ترجع قطرة الماء إلى البحر الذي هو أصلها ، ويكون الإحياء الجديد حياة باللّه طيبة هانئة منعمة سعيدة ، فترى العارف علما فردا ، ورث خير الدارين ، وجنى القطوف من أزواج الصفات كما حمل نوح في الفلك