محمد غازي عرابي
651
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 15 ] ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ( 15 ) [ المؤمنون : 15 ] الموت موت النفس الحيوانية ، وهو موت معنوي كما أسلفنا القول ، وفيه يرى الإنسان انكشاف حقيقته ، فإذا الأنا أنا كلية جامعة ، فالصوفية لا يعنون بالموت مفارقة النفس الجسد ، بل يعنون قيامها بالنور الفاعل ، وأنها شعاع منه لا انفصام لها عنه ، ولا قيام إلا به . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 16 ] ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ ( 16 ) [ المؤمنون : 16 ] القيامة القيام بالروح ، أي انتقال المهاجر من الحياة بأناه ، إلى الحياة باللّه ، وهذه الحياة الجديدة هي الحياة الحقيقة ، إذ فيها الوصول والتأييد والإمداد والبشرى التي فسّرها صلّى اللّه عليه وسلّم بأنها الرؤيا الصالحة في الدنيا يراها العبد الصالح أو ترى له . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 17 ] وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ ( 17 ) [ المؤمنون : 17 ] الطرائق السماوات ، والسماوات إشارات إلى الحجب التي تغلف الإنسان وتعينه في الوقت نفسه ، وفسرها بعضهم على أنها صورة القوى الباطنة من فهم ووعي وإدراك وذاكرة وخيال وحس وحدس ، وكلها تخدم الإنسان بإذن من اللّه وتيسير ، فإذا أراد الإنسان أن يتذكر شيئا أثار تلك الحاسة فلبته ، وسبق أن قلنا إنه لم يعرف حتى الآن كيف يتم ترميز المعلومات في الدماغ ، ولا كيف تتحول المعلومات القادمة من عالم الحس إلى رموز ، ولا كيف يجعل هذه الحاسة تجيب حينا ، وطورا تتلكأ أو لا تستجيب ، ولا السبب الذي يجعل المعلومات المطبوعة في الصغر تبقى حتى الكبر في حين أن المعلومات الواردة في الكبر سرعان ما تنسى وقليلا ما تحفظ وتذكر . كذلك إذا ورد الإنسان مورد الخيال وجد هناك دارا رحبة ، قواعدها في أرض الحس ، وسقفها في سماء المعقولات ، وهو في هذه الدار يحبر مثل طير في الغابة يطلق أغاريده وينتقل بين الأغصان ، فما تميز الإنسان عن الحيوان إلا بالخيال الذي هو حصان مجنح جمع بين المحسوس والمعقول ، والكثيف واللطيف ، والنهائي واللانهائي ، فمن كل الثمرات يجني الإنسان بواسطة حاسة الخيال التي هي قسمان ، قسم للخيال الحسي وهو صورة العالم المحسوس والانطباعات عنه وقسم للخيال الروحي وهو حضرة خيالية صرفة متصلة بالروح ، آخذة عنه ، يشع هو إشعاعاته من المعقولات الصرفة ، فيحيلها الخيال صورا لها أشباه من العالم المحسوس ، فيعرف بها الغيب ويستشف عالم الروح المجهول . أما الحدس فهو الذي يبلغ الإنسان جنة المعلومات من المعقولات الصرفة ، تأتيه كما الطير والفراشات ، فتهبه من لدنها من غير منطق ولا برهان ، واتفقت الفلاسفة قدامي