محمد غازي عرابي
908
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
إذا جاء ظهرت الرحمة الرحمانية العامة فعمت الخلق أجمعين ، وتحقق قوله تعالى في الحديث القدسي : ( ورحمتي سبقت غضبي ) . أما العبد الذي ضربه اللّه مثلا فهو مثل بليغ ، فالعبد إن كان عبدا لجماعة حار بينهم وكيف يلبيهم ويخدمهم ، هذا إذا كانوا مسالمين ، فكيف إذا كانوا متشاكسين كما جاء في الآية ؟ والإنسان حين يعبد هذه الصور الظاهرة من الخلق من دون اللّه هو ضائع حتما بين هذه الصور ، وهو إن أرضى رب صورة عجز عن إرضاء أرباب صور كثيرين ، فالمشرك حيوان ضائع ، وهو أناني بالضرورة بسبب كون الآخرين متشاكسين ، ولأن الأسماء متضادة متنازعة ، فلا قبل لمشرك على أن يكون غيريا وإن أراد ، لأن نفسه تستصرخه وتستغيثه وهو كالغريق في اليم متشبث بنفسه تشبث الغريق بلوح من الخشب عثر عليه ، أما من عبد اللّه وحده ، وعرف أنه لا شريك له في الملك ، وأنه هو رب الصور ، وأن هذه الصور تتحرك بإذنه ، فهذا الإنسان هو المتقي ربه ، وهو المرحوم ، وهو المستريح من عناء السفر وتعب المسير في الهجير ، فلقد أسلم أمره إلى ربه ، فهو له مؤمن ، وإليه مطمئن ، كيفما دارت الأيام تقبلها بقبول حسن موقنا أن اللّه رب الأيام والدهر لا يختار لعبده إلا ما هو خير . [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 30 ] إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ( 30 ) [ الزمر : 30 ] الميت العرض الذي قام بالجوهر ، والإنسان عرض قائم بالروح الذي قال فيه سبحانه : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] ، والنبي كمظهر بشر من لحم ودم ، فهو ميت بذاته قائم باللّه ، ومن حيي باللّه فهو الحي وباللّه أيضا ، والناس جميعا موتى لقيام أعراضهم بالجوهر الروحاني ، ولهذا أوردنا قول البسطامي في موضع سابق : رأيت الناس موتى فكبرت عليهم أربع تكبيرات . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 31 إلى 35 ] ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ( 31 ) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ ( 32 ) وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ( 33 ) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ( 34 ) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ( 35 ) [ الزمر : 31 ، 35 ] الاختصام يوم القيامة ما يشاهده الحي الذي قام من بين الموتى يوم القيامة فرأى اختصام الناس ، وما اختصام الناس ؟ إنه اختصام أسمائهم التي هي معقولاتهم ، والتي هي صفاتهم ، والإنسان صفة يصدر عنها فعل ، والصفات للّه ، واللّه شاء اختصام الأسماء ، لأنه بالاختصام وحده يقوم الملك ويستوي اللّه على العرش .