محمد غازي عرابي

893

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

وما المحرك إلا واحد هو في * غيب الغيوب تعالى مظهر الأثر هي التصاوير شاءتها الإرادة من * خير وشر ومن نفع ومن ضرر وأنشد أيضا : لنا في كل وقت * وجود مناجيد فنحن به قيام * ونحن به قعود ونحن لنا انتباه * به ولنا رقود ونحن لنا احتراك * به ولنا ركود [ سورة ص ( 38 ) : آية 29 ] كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 29 ) [ ص : 29 ] قلنا الكتاب كتاب الوجود كله ، وسماه سبحانه كتابا لأنه كتب فيه علم كل شيء ، لا بل وتفصيله ، فكل صغير وكبير مستطر ، فالكتاب أعظم ما في الوجود ، منه وبه وإليه ، ويكفي أن يتذكر الإنسان فضل الكتاب عليه ، إذ ما تم نقل العلوم من الأجداد إلى الآباء فالأبناء ، ولا بقيت حية سليمة طوال هذه القرون إلا بالكتاب وحده ، ولئن ألقينا نظرة على تاريخ العالم لم نر من هذا التاريخ إلا الكتاب ، فأين أفلاطون وأرسطو ، وأين حكماء الهنود والمصريين القدامى ، وأين الحضارات القديمة التي لا نرى منها اليوم إلا الآثار المطمورة ، وأين موسيقى الأولين وأصوات الموصلي وزرياب ، وأين الأغاني التي كانت تهدهد الصغار ، والأناشيد التي تشدفي الحروب أزر الكبار ؟ كلها ضاعت ، ولم يبق من الأمم الخوالي سوى الكتاب فها هي ذي محاورات أفلاطون نقرؤها حية ، وكأن أفلاطون ومحاوريه ماثلون أمامنا أحياء ، وها هو ذا أرسطو ، ومن حوله المشاؤون ، يتفكرون في هذا الوجود ويحللون ويستنتجون فسبحان من خلق الحرف ، وجعله دلالة عليه ووسيلة لحفظ ما أنزل من علوم ، ولقد ذكرنا فضل القرآن على العرب والعربية ، وكيف كان وما زال منارة أهل العلم واللغة ، وقد حفظ لنا تاريخ أمتنا ولغتنا سليما حتى اليوم ، وكم حاولت الأعداء النيل من هذا الدين ، وكم حاولوا هدم بنيان العربية ونسف قواعدها ، ومع هذا فلقد بقي القرآن حجة على العباد ، وحجة في أيدي المسلمين المؤمنين ، يعدهم ويصبرهم ويشد أزرهم ، فسبحان من جعل القرآن نورا ، وجعل ما فيه مصابيح الهدى ، نستدل به ونسترشد في ظلمات الحياة ، قاصدين مرفأ الأمان والسّلام . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 30 إلى 33 ] وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 30 ) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ ( 31 ) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ ( 32 ) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ ( 33 ) [ ص : 30 ، 33 ]