محمد غازي عرابي
891
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
في كتابنا الإنسان الكبير فصلنا الكلام في داود وسيرته ، والعبرة منها ، وداود رمز الفكر الذي بلغ أشده فظن ماله أنه له وهو للّه ، وما جاء في الآيات أن اللّه سخر لداود الجبال يسبحن ، وسخر له الطير محشورة ، وآتاه الحكمة ، والمعنى أن اللّه آتى الفكر الإنساني كل وسيلة ليفتق ما عنده ، ويخرج ما أودع في خزائنه من قوى وإمكانات عن طريق الصفات ، والاستعانة بالخيال والذاكرة والنظر في الأمور ، فالجبال المعقولات المسخرة للفكر الإنساني ، ولولاها ما كان ليحتل مكانه في هذا الوجود ، فالفكر الإنساني هو السلطان القاهر في الأرض ، وبه استوى الإنسان على عرش الملك يفعل فيه ما يشاء ، والطير هي أرواح الأنوار المعينة للمعقولات ساندة لها ، والملاحظ أن الطير تطير ، والجبال راسية ، فللأنوار الحركة الخفية الدائمة في هذا الوجود الحي ، أما الجبال فراسية في مكانها ثابتة ، إذ هي قواعد الفكر . وتتابع الآيات قص ما حدث لداود الفكر ، ففي الحديث الشريف أن المؤمن إذا أحصى تسعة وتسعين اسما من أسماء اللّه الحسنى دخل الجنة ، والجنة هي كشف الآفاق بين الإنسان واللّه ، ورؤية اللّه جهارا كما جاء في الحديث أيضا ، فالنبي اشترط لدخول الجنة إحصاء عدد من الأسماء لم يبلغ المائة ، وهو الدور الذي يترتب على الفكر الإنساني القيام به وحده وبجهده وجهاده حتى يبلغ جنة الكشف ، أما الاسم المائة فهو الاسم الأعظم ، وهو اسم جامع للأسماء التسعة والتسعين ، وبانكشافه يعرف الإنسان سر هذا الاسم الجليل ، ويعرف لعبة الأسماء وتضادها ، ويعرف لم خلق ويسر ، ويعرف أن مدخله ومخرجه ومسيره هو باللّه وللّه ما دام هو صاحب الملك والملكوت . وداود الفكر كان مؤمنا ، ولكنه لما قارب مقام الإحسان ، وهو مقام الدخول في الصالحين ، ظل متمسكا بما حصله من علم المعقولات ، وزاد عليها الاسم المائة ، أي الاسم الجامع للمعقولات ، أي أن الفكر لم يقر بعبوديته للّه وبربوبية ربه له ، ومد عينيه إلى الاسم الجامع كما عبر عنه بالنعجة في القصة ، والنعاج بلسان العرب كناية عن المرأة ، قال أبو بكر الوراق في تفسير : إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ، هذا من أحسن التعريض ، حيث كنى بالنعاج عن النساء ، والعرب تفعل ذلك كثيرا ، توري عن النساء وتكني عنها بألقاب كالظباء والنعاج والبقر ، وهو كثير في أشعارهم ، والمرأة التي هي حواء رمز النفس ، ولكن اللّه اللطيف بعبده الصالح المحسن أدخله مدخلا هو كما وصفه البسطامي بأنه رأى الخلق جميعا بين الإصبعين اللذين هما من أصابع الرحمن . . . وهذا ما عبر عنه في القصة بالملكين اللذين جاآ داود في هيئة رجلين وقصا عليه قصة الخصمين اللذين ظلم أحدهما الآخر فأخذ نعجته وضمها إلى نعاجه .