محمد غازي عرابي
860
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
وقالوا ما اسم موصول ، أي أن اللّه يختار الذي يختاره الإنسان ، أي أن حال التناقض والتردد واتخاذ القرار هي عملية إلهية ، وإن كانت تحدث في قلب الإنسان ، وتتم على يديه ، وأعلن الغزالي قائلا : انجزام الإرادة هو بأمر من اللّه ، أي أن الإنسان عندما يتردد ، ثم يتخذ القرار فإن اللّه هو الذي جعله يتخذ هذا القرار . وسبب كون الإنسان مجبور على الاختيار علاقة الصفة بالموصوف ، وقلنا في كتابنا النصوص في مصطلحات التصوف إن للإنسان عينا ، وإن لعينه هذه عينا أخرى ، أو قل إنسان العين كما يقال في اللغة ، وهذه العين الأخرى هي صاحبة القرار ، وهي الاسم ، وهي الصفة الإلهية ، وهي الكلي الحاكمة للجزئي ، وهي المطلق المحيط بالمتعين . ولما كان الإنسان تعين الحد كما قال هيغل ، فهو لهذا حامل لهذا الحد أو الصفة ، وعليه فالمولود يولد مطبوعا بخاتم هو خاتم الصفة ، وهذا ما فصلنا الكلام فيه في كتابنا الإنسان الكبير ، وهذا هو معنى أن الإنسان مجبور على الاختيار ، ولهذا قال عليه السّلام في الغلام الذي قتله العبد الصالح إنه طبع كافرا . فالقضية لم تعد مقصورة على تمييز الخبيث من الطيب كما قال سبحانه ، بل تعدتها إلى قضية إظهار الصفات الإلهية نفسها ، والتي لا يمكن أن تظهر ما لم تكن هناك صفات جميلة وصفات جليلة ، وما لم يكن هناك سلب وإيجاب ، وظلمات وأنوار ، فهذا ضروري لذاك ، وهو تتمة له ، ولولاه لا يتم ظهور الضروري والأصيل ، وهذا يفسر حديث الرسول عن القبضتين ، قبضة في الجنة ، وقبضة في النار ، قال عبد الكريم الجيلي : من الحسن إبراز جنس القبيح على قبحه لحفظ مرتبته من الوجود ، كما أن الحسن الإلهي أبرز جنس الحسن على وجه حسنه لحفظ مرتبته من الوجود ، وقال أيضا : القبح في الأشياء للاعتبار لا لنفس ذلك الشيء ، وقال : كما يجب ظهور اسمه المنعم كذلك يجب ظهور صفته المنتقم ، وأنشد أبو مدين : لا تنكر الباطل في طوره * فإنه بعض ظهوراته واعطه منه بمقداره * حتى توفي حق إثباته فالحق قد يظهر في صورة * ينكرها الجاهل في ذاته وقال ابن سينا الكافر باطل من وجه ، وحق من وجه ، لأن العالم مظهر إلهي ، وأن الكافر مظهر الاسم المضل ، كما أن المؤمن مظهر الاسم الهادي ، مع أن اللّه يضل من يشاء ويهدي من يشاء . وبعد فكيف يتم إظهار الصفة أو الحد بالتعين أي بالإنسان ؟ قال هيغل الفكر يغلف الوعي الحسي ، ومن ثم فهو سابق عليه ، وعني هيغل بالفكر العقل الفعال ، أو الروح ، وعني بالوعي