محمد غازي عرابي

645

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

والأمر وللإنسان الكسب ، ولهذا ختمت الآية بالقول : إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ . فلو لا اللّه لفارق المعقول هذا الجسر الوجودي الإنساني ، فهوى الجسر في وادي الجسد فتحطم وضاع ، واللّه وحده يشد الإنسان إلى سماء المعقولات وذلك بطرح الأهداف والغايات التي يمد الإنسان إليها عينيه ، ومنها الظفر بحلي وحلل المعقولات نفسها ، فترى المجاهد يضحي بنفسه في سبيل الظفر بالشهادة ، وترى الكريم أحمق في ماله طمعا في الظفر بصفة الكرم . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 66 ] وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ ( 66 ) [ الحج : 66 ] الإحياء الأول وجود الإنسان في بدنه منذ يكون جنينا ينفخ فيه الروح والموت الأول الموت المعنوي للسالكين الذي يكتشفون بأنهم أضياف على أبدانهم ليس لهم من الأمر شيء ، والإحياء الثاني البقاء بعد الفناء ، ويقال له أيضا الفرق الثاني أو الصحو ، وفيه يستتم للمكاشف وجود آخر جديد هو الوجود الإلهي فيتنعم بعطايا اللّه وخلعه من الصفات الإلهية ، أنشد الحلاج قائلا : أقتلوني يا ثقاتي * إن في قتلي حياتي ومماتي في حياتي * وحياتي في مماتي إن عندي محو ذاتي * من أجلّ المكرمات وبقائي في صفاتي * من قبيح السيئات وهذه الحقيقة مستورة عن بصر الإنسان حتى تفتح بصيرته ، فالإنسان ضائع ما لم يجد ربه ويتعرفه ، وما تخبط إنسان هذا القرن في متاهات الفلسفة ونظرياتها والمذاهب إلا بسبب وجود هذا الستار المرخى بينه وبين اللّه ، وترى فيلسوفا مثل شوبنهاور قد رد الحياة إلى إرادة عمياء مجنونة لا همّ لها إلا البقاء والمحافظة على هذا البقاء . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 67 ] لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ ( 67 ) [ الحج : 67 ] المثل يقول كل الطرق تفضي إلى روما ، وذلك حين كانت روما عاصمة أكبر امبرطورية في العالم وقبلة كل الأنظار ، وفي الحج الإسلامي تفضي الطرق كلها إلى مكة ، والآية ذكرت بالمناسك ، ولكل أمة منسكها أي شريعتها ، وهي قد تطابق الشرائع الأخرى ، وقد تخالفها ، وقد تتفق معها في شيء أو أشياء وتخالفها كذلك ، ولكن هذه المناسك للّه وهي تفضي جميعا إليه . . . وهذا الإفضاء هو الحقيقة ، وتسمى الجمع أي الظهور الإلهي فكيفما كان الإنسان ،