محمد غازي عرابي

848

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

الظاهر ، أما علم الباطن فله وجهه أيضا ، إذ ذكرت الآية أن الزيادة في العمر والنقصان هما في كتاب ، والصوفية مجمعون على أن الاصطفاء والاجتباء رهينان بالمشيئة الإلهية ، ولهذا فرقوا بين المريد والمراد ، فالأول يريد ، أي الإنسان يريد ، والثاني يراد أي اللّه أراد له . [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 12 ] وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 12 ) [ فاطر : 12 ] البحر العذب إشارة إلى عالم العيان ، والبحر الملح الأجاج إشارة إلى عالم العين ، والعين هي الأساس ، فالبحر الملح الأجاج هو أصل هذا العالم وباطنه مثلما أن البحار والمحيطات هي مصدر مياه الأرض ولولاها ما كان ثم مصدر آخر للماء . واللحم الطري إشارة إلى العلوم المستخرجة من البحرين ، فاللّه قد جعل لكل بحر سمكه من العلوم ، فمن العالم الحسي يستخرج الإنسان المعقولات نفسها ، فلو لا العالم الظاهري ما عرف الإنسان المعقول ولا صفته ، والخير وحده كتجريد لا يشاهد من دون فعل الخير ، وكذلك الجمال والعدل ، فهذه المعقولات بحاجة إلى العالم حاجة العالم إليها ، ثم يأتي دور الكشف حيث يتولى اللّه عبده بالتعليم ، فيكون علمه عن طريق استخدام المعقولات أيضا أي الصور . والحلية الصفات التي يتحلى بها الإنسان لدى بلوغه اليقين أي الكمال ، والفلك التي تمخر البحر النفوس الجزئية التي هي صلة الوصل بين البحرين ، فالإنسان وحده يعيش على البر وفي البحر ، وهو وحده يتمثل المعقول ، ويتمثل له المعقول ، فيستخدم المعقول في التعلم ، ويستخدم اللّه المعقول ليتعرف إليه ويعرفه ، فهذا الفلك الإنساني هو وحده المصطفى لركوب بحر الجود الإلهي من العلوم الكونية . [ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 13 إلى 14 ] يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ( 13 ) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ( 14 ) [ فاطر : 13 ، 14 ] الشمس الذات الأحدية المشعة ، والإشعاع الروح الكلي الواحد الذي سنفصل الكلام فيه في تأويل سورة ياسين ، والقمر القلب المستقبل للأنوار الإلهية والتي يعكسها بدوره لينير الدرب لبقية النفوس والأرواح الجزئية ، والأجل الدورة الوجودية التي يتطلبها الكشف العلمي الممثل في الإنسان الكامل الذي هو روح خالص من جهة ، والذي هو إنسان ظاهر من جهة