محمد غازي عرابي
846
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
الفضاء ، وتأمين الغذاء لكل دابة في الأرض ، كما أن كل ما يفعله الإنسان من تفكير وتصور وتحرك واختيار ، كل هذا هو خلق اللّه ، فإذا رفعت هذه القبضة الإلهية عن الكون فما ذا يبقى منه ؟ [ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 5 إلى 7 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 5 ) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ ( 6 ) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ( 7 ) [ فاطر : 5 ، 7 ] يذكر اللّه الإنسان بألا يجعل همه الدنيا ، فما تقدمه الدنيا هو كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ، فإذا جاءه لم يجد شيئا ، وأعظم اللذات الحسية هي وقف على تحقيقها ، فإذا تحققت مضت وتبددت كأنها لم تكن ، وقالت العرب : لذة الثوب يوم ، فأغلى ثوب في العالم لا يقدم للابسه شعورا باللذة أكثر من يوم واحد ثم في اليوم التالي كسراب بقيعة ، واللّه جعل عطاء الدنيا محدودا مجذوذا ، وبشر الصابرين المجاهدين الراغبين في الآخرة بحياة خالدة لا يزول سرورها ، ولا ينقضي نعيمها ، وهل من نعمة أعظم من رؤية اللّه والتنعم بإشراق أنواره ؟ هذه الأنوار اللألاءة التي جعلت صوفيين كبار أمثال ابن الفارض سلطان العاشقين ، وابن أدهم سلطان السائحين ، وإبراهيم الخواص سلطان المتوكلين ، يسيحون في اللّه ، هائمين باللّه حبا ، وقال ابن أدهم : لو علمت الملوك ما نحن فيه من نعيم لجالدونا عليه بالسيوف . [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 8 ] أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ ( 8 ) [ فاطر : 8 ] ثمت لطيفة في قوله سبحانه : أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فما دامت الصفة تطلب الموصوف ، وما دام الموصوف رهين الصفة ، وما دام الإلهام وحده الفاعل والمؤثر ، فالنتيجة أن من يلهم الفجور يراه حسنا ، وهو يفاخر به ، وهذا ضرب من المكر الإلهي الخفي والغالب على أمره ، قال ابن عربي : فله الإلهام فينا ، ولنا العمل بما ألهم . [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 9 ] وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ ( 9 ) [ فاطر : 9 ] قلنا الريح ريح الهداية ، والسحاب الخير الذي تحمله هذه الريح وتسوقه والبلد الميت القلب الغافل عن اللّه ، والأرض التي حييت القلب الذي أشرقت فيه الأنوار والنشور قيامة العارفين الذين رأوا اللّه جهارا في صور العيان فسبحوه بكرة وأصيلا . [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 10 ] مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ ( 10 ) [ فاطر : 10 ]