محمد غازي عرابي
842
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
هذا صوت أطلقه المليك وإن خرج من فم عبد اللّه ، وقال على لسان فرعون : هو حينا يجعلني قمرا وحينا يجعلني مظلما ، وأي شيء سوى ذلك يكون صنع اللّه ؟ إننا أمام صولجان حكمه النافذ نجري في المكان واللامكان . [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 34 إلى 35 ] وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ( 34 ) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ( 35 ) [ سبأ : 34 ، 35 ] طبيعة المترفين التعلق بالاسم والأنية ، والمترف المنعم يعتمد ماله وقواه فهو بالتالي ينسى اللّه أو ينكر وجوده ، وما حاجة المتنعم إلى اللّه ولديه ما يكفيه من عز وجاه ومال وأولاد ؟ ولهذا قال عيسى عليه السّلام إن دخول جمل في سم الخياط أسهل من دخول غني في ملكوت السماوات . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 36 ] قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 36 ) [ سبأ : 36 ] طبيعة الرزق إلهية ، والملاحظ أن الغنى ليس وقفا على الأذكياء ، بل قد يثري الأحمق الذي لا يميز يمينه من شماله ، وما فضل ولد ولد غنيا ، أو كما يقال ولد وفي فمه ملعقة من ذهب ، فاللّه قدر الرزق وفق نظام خاص به هو من دون الناس ، والناس المرزوقون مرزوقون بالفضل الإلهي من قبل سعي الساعي وقعود العاجز عن السعي . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 37 ] وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ ( 37 ) [ سبأ : 37 ] قرئت الغرفات الغرفة أيضا ، وقال سبحانه في موضع آخر أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ، والغرفة مكان في الجنة يبلغه القاصدون العارجون في سماوات المعقولات حتى يصلوا إلى سدرة المنتهى أو مجمع المعقولات ، فالغرفة هي سدرة المنتهى يدخله ملائكة المعقولات ، فالإحاطة بعلم الأسماء المعقولات هو القصد من خلق الإنسان الذي ما خلقه اللّه إلا للعلم . والأمن نتيجة الوصول إلى الغرفة والحلول فيها ، والأمن هو البرد الذي وجده إبراهيم في النار ، وهو الراحة من عناء مجاهدة النفس والعالم أي مدافعة الأسماء بعضها بعضا . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 38 ] وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ ( 38 ) [ سبأ : 38 ] قوله سبحانه : فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ له نكتة ، ذلك أن الساعي في آيات اللّه معاجزا هو بالتالي في الجانب الجلالي من الأسماء ، أي في جانب التضاد ، وقيل إن أسماء الجلال أسماء بلاء ، ولهذا فإن من يسعى معاجزا في آيات اللّه هو معذب ، محروم بحربه اللّه من رحمة اللّه .