محمد غازي عرابي
838
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
عصا القدرة ، تبينت الخواطر أنها لا تعلم عن حقيقة الجسم شيئا ، وأنها ليست الجسم ، وليس هو هي ، فالخواطر ، وإن كان محل نشاطها الدماغ ، إلا أنها ليست الدماغ ، وما الدماغ إلا مصباح ينيره الشريط الكهربائي المتصل بالتيار العام ، فالدماغ آلة ، والكهرباء قوة وهي تولد الخواطر ، والكهرباء قوة من قوى اللّه ، قال أفلوطين : يجب أن أحجب عن نفسي النور الخارجي لكي أحيا وحدي في النور الداخلي ، وقال : إني ربما خلوت إلى نفسي ، وجعلت بدني جانبا ، وصرت كأني جوهر مجرد بلا بدن ، فأكون داخلا في ذاتي ، راجعا إليها ، خارجا من سائر الأشياء فأكون العلم والعالم والمعلوم جميعا . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 15 ] لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ( 15 ) [ سبأ : 15 ] الجنتان عن يمين وشمال المعقولات وقد انقسمت إلى معقولات جمالية ومعقولات جلالية ، وجعل كلاهما جنة ، لأن الشر جزء من الخير ، ولا وجود له بذاته ، فهو بالخير يعرف ، والخير به يقوم ، وكلاهما شقيق الآخر . والشكر معرفة ما وهب اللّه الإنسان ، وما خصه به من نعم وآلاء دون سائر المخلوقات . [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 16 إلى 17 ] فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ( 16 ) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ ( 17 ) [ سبأ : 16 ، 17 ] سيل العرم نتيجة الغفلة عن أن المعقولات للّه ، فكل من لم يرد الصفات والإلهام إلى اللّه فهو ضحية هذه الصفات وهذا الإلهام ولا يعلم ، ولا أدل على هذا من الأمراض التي تصيب المسلمين بخاصة الذين لم يرقوا إلى فلك الإيمان فالإحسان ، فأدواء هؤلاء العجب وإيثار الأنا وانتقاد الآخرين والتعصب الذميم . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 18 ] وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ ( 18 ) [ سبأ : 18 ] الإشارة إلى ما بين المحجوبين والذين كشف عنهم الغطاء ، فثمت سالكون مخلصون على الطريق لا يريدون إلا مرضاة اللّه عز وجل ورؤيته والتنعم بعطاياه ، فلهؤلاء جعل اللّه في طريقهم واحات يفيئون إليها ويستريحون ويشربون ، كما هو الحال في مقامات الصوفية كالتوكل والزهد والرضا والمحبة .