محمد غازي عرابي

836

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

قانون السببية الطبيعي يجعل الإيمان بالبعث أمرا مستحيلا ما دام لكل حادث سبب ، وما دام الإنسان الميت صار رمادا ، أو كما وصف في الآية بأنه قد مزق ، فكيف يعاد بعثه من جديد ؟ والأشعري إمام الأشاعرة هو أول من كشف النقاب عن حقيقة قانون السببية حيث قال إن النار ليست سبب الإحراق ، والشراب ليس سبب الري ، والطعام ليس سبب الشبع بل إن هذه كلها وسائل لحدوث الفعل ، والفاعل الحقيقي هو اللّه ، وما دام الفاعل روحاني محيط ، له الأمر من قبل ومن بعد ، فهو قادر على إحداث الحوادث وعلى إبطالها وعلى الإتيان بنقيضها أيضا ، وما معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء إلا دليل على القدرة الإلهية التي تحيل العصا حية تسعى وتجعل النار بردا وسلاما على إبراهيم . والآية التاسعة تشير إلى هذه القدرة الفاعلة في الوجود والمتحكمة فيه وفي قوانينه وأسبابه ، والقادرة في الوقت نفسه على إحداث النقيض . [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 10 إلى 11 ] وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ( 10 ) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 11 ) [ سبأ : 10 ، 11 ] داود إشارة إلى مقام كشف الفعل ، وهو مقام موسوي ، والجبال بمثابة المعقولات وقد صارت طوع يديه ، والطير جواهر هذه المعقولات وتسمى أيضا الأرواح ، والحديد هو الفكر الذي كان حديدا صلبا ، أو كما يقال في المنطق الأرسطي القياس المنطقي ، ولا مجال لكسر هذا القياس أو الخروج عليه . . ومع هذا فاللّه ألان لداود الحديد ، أي كسر حديد فكره وقوانينه لما جمع له الأضداد والنقائض ، فنجا داود من نار التناقض وخرج من قفص الحديد الذي يكون الإنسان فيه ، وقضبانه الأضداد . والسابغات الدروع ، وكان داود سرادا ينسج الدروع كما علمه ربه ، والإشارة إلى أن داود أجاد التحكم في القوانين الفكرية نفسها حيث احتمى من الفكر التناقضي بفكر توحيدي جديد يجعل الإنسان في سلام مع نفسه ومع العالم ، أو كما يقال : ينام الحمل في أحضان الذئب . [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 12 إلى 13 ] وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ ( 12 ) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ( 13 ) [ سبأ : 12 ، 13 ] الريح إشارة إلى الأفكار ذاتها وقد جمعها التوحيد أو الواحد ، ولهذا كان سليمان ابن داود عليهما السّلام ، فسليمان بمثابة ولادة جديدة لداود الذي كان مصابا بالتناقض والازدواجية في التفكير