محمد غازي عرابي

831

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

الحديث ، ولو كشف اللّه حجبه لنسفت قواعد الإنسان ولذاب ذوبانا ولفني فناء ، وهذا ما عبر عنه أبو يزيد البسطامي عندما سأله سائل : متى يصل العبد إلى ربه ؟ فقال : يا مسكين ، وهل وصل إليه أحد ؟ لو بدا للخلق منه ذرة ما بقي الكون ولا ما هو فيه . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 60 إلى 62 ] لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاَّ قَلِيلاً ( 60 ) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً ( 61 ) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ( 62 ) [ الأحزاب : 60 ، 62 ] طبيعة الرحمن الرحمة ، وفي الحديث القدسي : ( ورحمتي سبقت غضبي ) ، وألحت الصوفية ، وبخاصة ابن عربي على أن الرحمة شاملة ولها الختام ، وللأمر لطيفة وسر شرحناهما في كتبنا الصوفية ، وهما كون أصحاب القبضتين مقهورين شمالا ويمينا ، فلئن كان الأمر كذلك ، وله حكمة ، فكيف يؤاخذ اللّه الناس بظلمهم ؟ كما بينا أن الحدود وضعت حفاظا على المجتمع ، وأنه لولا الحدود لطغى الباغي في بغيه ، ولكن اللّه يدفع الناس بعضهم ببعض حفاظا على التوازن الاجتماعي ، ويدفع الأسماء بعضها ببعض حفاظا على توازن المعقولات . والآية تهدد المنافقين والمرجفين ، ولهؤلاء دور مرسوم ، وكنا ذكرنا في كتابنا فتح الوجود أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يعلم المنافقين ، وأنه أسر أسماءهم إلى حذيفة بن اليمان فقط ، وأخفاها حتى على صحابته مثل عمر ، ولو أن اللّه أراد أن يبطش بالمنافقين والمرجفين لأمر النبي بذلك . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 63 ] يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ( 63 ) [ الأحزاب : 63 ] تحدثنا عن الساعة وكونها صغرى وكبرى ، وحقيتهما واحدة ، فالوجود باطن وظاهر ، وباطنه ساعته ، أي أن الوجود الحسي قائم بالوجود الروحي الذي هو ساعته ، أي ميقاته وعلمه وقيامه بها ، وهذا ما يشاهده المكاشف في مكاشفاته ، ولهذا يعيش القوم مقام الفناء الذي تحدثنا عنه أيضا ، والساعة الكبرى انفجار هذا الوجود المؤلف من ذرات أثبت وجودها العلم الحديث ، ويتم انفجارها بتوقف عمل الجاذبية الكهرطسية بين الذرات الموجبة والذرات السالبة ، فإذا العيانات صارت هباء منثورا ، وفي السور الأخيرة من القرآن وصف رائع ومهيب لهذه العملية التي يعرفها حكماء البوذية ، ويقولون إن للكون دورات وظهورات ، وإنه كلما أتم دورة عاد إلى الذر أي السديم الأول . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 64 إلى 68 ] إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً ( 64 ) خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 65 ) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا ( 66 ) وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا ( 67 ) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً ( 68 )