محمد غازي عرابي
642
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
لا يؤمن الكافر باللّه وبوجوده ولا بالأنبياء والوحي النبوي لأنه محجوب عن النور ، أو أن النور محجوب عنه ، والساعة التي تأتي بغتة هي ساعة موت نفس الكافر الجزئية وفيها يكشف النقاب عن الحقيقة ، فإذا وجه اللّه قد أسفر ، وإذا الشيطان خيال لا أصل ، وإذا الإنسان قد مثل دورا كتب عليه ، وإذا الملك اليوم للّه الواحد القهار ، وإذا حديث القبضة حي ، فقبضة تنعيم أهل الهدى ، وقبضة شقاوة أهل الحجاب ، وكلا الفريقين ضرورة لملء فراغ دائرة الوجود العقلانية القائمة على التضاد وبالتضاد . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 58 ] وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 58 ) [ الحج : 58 ] الرزق الكشف ، ووصف بأنه حسن ، لأن الصفة تذكر بأسماء اللّه الحسنى ، والحسنى تأنيث صفة الحسن ، فالمهاجرون قتلوا أو ماتوا موتا معنويا علميا لهم هذا الرزق الحسن وهو علم الأسماء الذي علمه آدم ، ففاق ملائكة المعقولات مكانة ، واستوى على عرش الوجود العلمي خليفة اللّه في الأرض . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 59 ] لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ( 59 ) [ الحج : 59 ] قوله : يَرْضَوْنَهُ ، يعني الوصول إلى مقام الرضا ، وهو من مقامات الإحسان ، وأصله قوله تعالى : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [ المائدة : 119 ] ، وفيه انكشاف سر الصفات العيسوي للسالك فإذا هو في الحضرة وفي النعيم حيث الحور العين اللواتي هن أم الصفات المعقولة ، أي الأعيان الثابتة أزواج المطهرين من العارفين العارجين الواصلين إلى سدرة المنتهى علما ومعرفة . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 60 ] ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ( 60 ) [ الحج : 60 ] الآية تذكر بشعار المسيح عليه السّلام : ( أحبوا أعداءكم ، باركوا لا عينكم ) ، فهاهنا نداء بأن تضع الحرب أوزارها بعد القتال والجهاد ، والمؤمن المكاشف بسر الصفات مدعو لإلقاء السلاح نتيجة كشفه نفسه الذي يريه رأي البصيرة وبعين اليقين أن عدوه أخوه ولا يعلم ، وهذا ما قاله المسيح نفسه الذي تابع قائلا : ( لأنهم إخوانكم ) . فإذا أثار كافر مؤمنا بلغ مقام كشف الصفة فقاتله ، وأخرجه من دياره فيكون إخراجه من قبيل البغي عليه ، ولهذا اتصف محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بالعفو والحلم ، وهو الذي لما دخل مكة ، وجاره أهلها ، وجاءته هند : فقال : ( أهند آكلة الكبد ؟ ) ، إشارة إلى ما فعلته هند بحمزة عم الرسول لما أكلت كبده فقالت : أنبي وحقود ؟ فذكرته وهي الجاهلة مقام الأنبياء وأخلاقهم ، فكان