محمد غازي عرابي
815
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
سورة الأحزاب بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 1 إلى 2 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً ( 1 ) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ( 2 ) [ الأحزاب : 1 ، 2 ] الخط الإلهي قانون أزلي أبدي عال فوق الزمان والمكان قاهر قادر مقتدر ، ومن يستقم على طريقة اللّه يسق ماء غدقا كما قال سبحانه في موضع آخر ، وهذا هو ملخص فلسفة الفيلسوف كانط الذي قال إن للعقل مجال العالم الظاهري ، وللأخلاق مجال الشيء في ذاته أي اللّه ، فالحق أوصى نبيه بالتمسك بما أنزل إليه ، وألا يطيع الكافرين والمنافقين ، وللأمر رقيقة . . ذلك أن من سلك طريق مكة وصل إلى مكة ، أما من عدل عنها ، حتى وإن كان بهدف الإصلاح ، كما فعل النبي إذ أراد أن يطيع الكافرين والمنافقين لتحقيق ما يريد ، فإنه بهذا يخرج على الطريقة . . فإذا فعل حرم السقاية ، وظل بالتالي جاهلا ، فبين ما حده الحق في كتابه وبين فلسفة كانط علاقة وطيدة ، وهي أنه من دون حفظ الشريعة وتنفيذ الوصايا الإلهية لا يمكن للإنسان أن يصل إلى الحقيقة ، وبالتالي لن يعرف اللّه . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 3 ] وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً ( 3 ) [ الأحزاب : 3 ] الوكالة هنا قائمة على أساس أن الحق هو الحق ، وأنه لا يمكن أن يكون باطلا ، فمهما كابد النبي والمؤمن الوارث والولي فالعاقبة لهم ، أو كما سموا في موضع آخر المتقين الذين بشروا بالفتح المبين . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 4 ] ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ( 4 ) [ الأحزاب : 4 ] القلبان الفكر والوجدان ، والفكر فتنة للإنسان لأنه مركب للخير والشر كما بينا من قبل ، ولهذا حمل كانط حملته الشعواء على العقل ، ومن قبله فعل هذا الإمام الغزالي : أما الوجدان ، فهو المقر الإلهي ، وهو الضمير ، وهو الهدى ، وهو النور . والحق أعلن أنه جعل للإنسان قلبا في جوفه لا قلبين ، فالفكر مضلة والوجدان هدى ، ولهذا أوصى الحق نبيه بأن يتبع ما يوحى إليه من ربه ، ومنبع الوحي القلب الذي في الصدر أي الوجدان والشعور لا الفكر الذي هو جامع التضاد معا .