محمد غازي عرابي

812

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

المؤمن يرى بنور ربه والفاسق يرى بالنار ، والفاتحة قسمت بين المهديين والضالين علما أنها جمعتهما فيها وسميت الفاتحة ، وجعلت أول سور القرآن الكريم . والنظر بالنور غير النظر بالنار ، إذ النور واسع عليم حكيم ، وصاحب النور يرى ما لا يراه الآخرون ، فالعارف لا يغضب إلا للّه ولإقامة حدوده ، وعدا ذلك فهو هين لين مسامح كريم حليم عليم بسر القضاء والقدر في الخلق . . أما النظر بالنار فيؤرث نار حمية الجاهلية ، والجاهلية من الجهل ، وهي جهل الإنسان نفسه ، فالفاسق يغضب لنفسه ، وهو أسير نفسه وقوتيها الغضبية والشهوية فهو يتقلب في النار ولا يعلم . [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 21 إلى 22 ] وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 21 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ( 22 ) [ السجدة : 21 ، 22 ] العذاب الأدنى عذاب الصفات المذمومة ، وهي قاهرة فوق المغضوب عليهم ، كما قال سبحانه في عيسى عليه السّلام : وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا [ مريم : 32 ] أي أنه سبحانه هو الذي يجعل الجبار جبارا ، والشقي شقيا . أما العذاب الأكبر فهو انكشاف حقيقة الأمر للإنسان ساعة الموت حيث يبرز ملك الموت في صورة صفته نفسها ، فإذا كان جبارا برز في صورة جبار ، ومعرفة سر كهذا في ساعة الموت يفوق عذابها عذاب النار . [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 23 إلى 24 ] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ ( 23 ) وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ ( 24 ) [ السجدة : 23 ، 24 ] القرآن وحده هو الذي قص قصص الأنبياء بالحق كقصص إبراهيم وإسحاق وإسماعيل ويوسف وموسى وعيسى عليهم السّلام ، وكم اختلف الناس في الأنبياء الآخرين كما فعلت اليهود بالنصارى ، وكما فعلت النصارى بالمسلمين إلا قليلا منهم ، أما القرآن فلقد أعطى كل ذي حق حقه ، فقال في النصارى مثلا لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 82 ) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( 83 ) وقال في إبراهيم عليه السّلام الذي يعده اليهود نبيهم الأكبر : ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 67 ) [ آل عمران : 67 ] .